تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 824

مساهمون:

ص٨٢٤
وتقولوا معهن ما تستحيون من قوله جهرا ؛ إما لأنه قبيح لا يعلن ، وإما لأنه في غير وقته فيستنكر القول فيه فور الوفاة ؛ وذلك فوق قبح الخلوة في ذاتها . ولقد استثنى سبحانه استثناء منقطعا في قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً
والمعنى لكن المباح لكم أن تقولوا قولا معروفا لا تستنكره العقول ، وتقره الأخلاق ، ولا يقبح إعلانه ، بل يقال في غير استسرار ؛ وبهذا الاستثناء يحد الله سبحانه فرق ما بين الحلال والحرام في هذا المقام ؛ فالسرية ممنوعة أيا كان موضوعها ، لما يكون معها من ملابسات محرمة ، والقول المعروف الذي يكون بالتعريض ، وإظهار المودة بشكل لا يؤدى إلى محرم ، ولا تستهجنه العادات الفاضلة والأخلاق الكريمة ، هذا حلال لا ريب فيه . وقبل أن نترك الكلام في هذا الأمر المنهى عنه ، نذكر تحقيقا لفظيا ذكره الزمخشري ، وهو مقام « لكن » في قوله تعالى :
وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ،
مما قبلها ؛ فقد قرر رحمه الله أن المعنى : علم الله أنكم ستذكرون النساء فاذكروهن ، ولكن لا تواعدوهن سرا ، ويكون المؤدى اذكروهن ذكرا حسنا معروفا معلنا غير منكر ، لا تمجه الأذواق ، ولا تنبو عنه الأخلاق . الأمر الثاني الذي هو في موضع النهى ما اشتمل عليه قوله تعالى :
وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ
العزم : القطع ، وهو يتعدى بعلى ، وبنفسه ، فيقال : عزم الأمر وعزم عليه ، وعقدة النكاح : الارتباط به . والكتاب : هو الأمر المكتوب المفروض ، وهو هنا العدة . والأجل : هو انتهاء المدة المقررة للعدة والمعنى : لا تعقدوا العزم نهائيا في أثناء العدة على أن تتموا الزواج بعدها ، بأن تقطعوا في أمر الخطبة فتجعلوها تصريحا بدل أن تكون تعريضا ؛ فإن العزم القاطع لا يكون بالتعريض ، بل يكون بالتصريح ؛ لأن عبارة التعريض كيفما كانت يدخلها الاحتمال ، فلا تنبئ عن القطع أو الجزم ؛ وعلى ذلك يكون هذا الكلام السامي ذكرا لما فهم عند نفى الإثم عن التعريض من منع التصريح ؛ وفوق ذلك فيه دلالة على منع العزم مطلقا ولو بإصرار النية ، وإكنان النفس ؛ لأن العاقل لا يسوغ له أن يعزم