تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 820

مساهمون:

ص٨٢٠
ثانيهما - أن مدة أربعة الأشهر هي المدة التي قررها الشارع أقصى مدة للحرمان من الرجال ؛ ولذلك جعل الإيلاء مدته أربعة أشهر ، بحيث إذا حلف الرجل ألا يقرب امرأته أربعة أشهر ، ومضى في يمينه وانتهت المدة طلقت منه ، فكان من التنسيق بين الأحكام الشرعية أن تجعل مدة الإحداد على الزواج في حدود هذه المدة ، ومقاربة لها في الجملة ؛ وليس من المعقول أن يعاقب الشارع الرجل إذا أصر على هجر زوجه بالفراق إذا أصر عليه أربعة أشهر ، وفي الوقت نفسه يلزمها بالحداد مدة أطول من ذلك ، بل ينبغي أن تكون مدة الإحداد حول هذه المدة أيضا .
فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ
بيّنت الجملة السامية السابقة مدة العدة للمتوفى عنهن أزواجهن ، وفي هذه الجملة الكريمة يبين سبحانه وتعالى انتهاءها وما يترتب على الانتهاء ؛ والمعنى : إذا انتهت المدة المقررة للتربص ؛ فلا إثم على الناس فيما يفعلن في أنفسهن من زينة واستعداد للزواج والزواج بالفعل ؛ ونرى في التعبير الفعل المباح منسوبا لهن ، ونفى الإثم عن الناس المتصلين بهؤلاء المتوفى عنهن أزواجهن ؛ وفي ذلك دلالة على أمرين : أحدهما : أن المرأة تباح لها الزينة بالمعروف ، أي بالأمر المعقول الذي تقره العقول ، وتدركه الأفهام ، وتعرفه أهل المدارك السليمة والأذواق الدقيقة المحكومة بشكائم الأخلاق ؛ ويدخل فيما يفعلن بأنفسهن الزواج ، فلها اختيار الزوج ، وتولى العقد ، بشرط أن يكون ذلك في دائرة العرف والتقيد بالكفاءة ، وألا تجلب عارا على أسرتها وذويها . وثانيهما : أن نفى الإثم عن الجماعة فيما يفعلن بأنفسهن بالمعروف غير المستنكر ، دليل على أن الجماعة الإسلامية متعاونة متآزرة متماسكة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وأن على كل امرئ أن يصلح من شأن أخيه ، ويقوّمه بالمعروف ، ويبين له أوامر الشرع وحكم الله تعالى ، ولا تذهب عنه هذه المسؤولية حتى يكون عمل من يكون ذا صلة به في دائرة الشرع والخلق القويم .