تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 818

مساهمون:

ص٨١٨
أولهما : لما ذا كانت العدة في المتوفى عنها زوجها بالأشهر دون الحيض ، فلم تجعل أربع حيضات بدل ثلاثة ؟ . . . ولما ذا كانت الزيادة ؟ ولم نجد أحدا تصدى لبيان الحكمة في جعلها بالأشهر ، ويبدو لنا أن الحكمة التي تدركها عقولنا - وإن كانت الحكمة الشرعية السامية قد تعلو على مداركنا - هي أن عدة الوفاة تكون للمدخول بها وغير المدخول بها ، وللصغيرة والكبيرة ، والأساس فيها هو الحداد على الزواج السابق الذي انته بوفاة أحد ركنيه ، فلزم أن يكون بأمر يشترك فيه الجميع ما دام السبب واحدا في الجميع ؛ وفوق ذلك إن العدة في الوفاة لو قدرت بالحيض ، وهو أمر لا يعلم إلا من جهة المرأة ، فربما تدفعها الرغبة في الزواج إلى الكذب فتدعيه وهو لم يقع ؛ وفي المطلقات العدة حق للمطلق فيستطيع أن ينكر عليها ، أو يظهر كذبها ، وهي تخشى صولته ، فتبتعد ما أمكن عن المراء ؛ أما في حال الوفاة فصاحب الحق الأول قد مات وصار الحق لله خاصا ، فحد ذلك الحق بالأشهر والأيام حتى لا يكون مساغا للكذب وادعاء ما لم يحصل ؛ لأن الأيام والأشهر تعرف بالكتاب والحساب ، وليست أمرا يعرف من جهتها فقط . أما الجواب عن الأمر الثاني وهو : لما ذا كانت العدة بالوفاة أكثر في الجملة من العدة الناشئة عن الطلاق ؟ فيبدو بادي الرأي ، من الفرق بين حال الطلاق وحال الوفاة ، أن الطلاق نتيجة شقاق ؛ فالحداد على الزوج الذي ينشئه ليس قويا ، ومعنى براءة الرحم وإعطاءه الزوج فرصة للرجعة يكون أوضح في معنى العدة ، ويكفى لذلك نحو ثلاثة أشهر ؛ أما حال الموت ، فإن مرارة الفراق فيها أوضح وأشد ، ومعنى الحداد يغلب فيها معنى براءة الرحم ؛ ولذلك تجب على المدخول بها وغير المدخول بها ؛ وإن الشارع قد جعلها لذلك أطول من عدة الطلاق ؛ وإن الشارع الحكيم قد خفف من حدة ما كانت تعمله النسوة الجاهلية ؛ فقد كانت المرأة في الجاهلية تغلق على نفسها أضيق مكان في مسكنها وتقضى فيه سنة كاملة ؛ حدادا على زوجها ، فجاء الإسلام ، وخفف عليها وجعلها أربعة أشهر وعشرا ، ولنذكر لك ما كان في الجاهلية وما كان في الإسلام ، كما روى في صحاح السنة :
زهرة التفاسير — صفحة 818 | محمد أبو زهرة