تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 819

مساهمون:

ص٨١٩
فقد روى البخاري ومسلم عن زينب بنت أم مسلمة أنها قالت : « دخلت على أم حبيبة حين توفى أبو سفيان ( أبوها ) فدعت أم حبيبة بطيب فدهنت منه جارية ، ثم مست بعارضيها ، ثم قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة غير أنى سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول على المنبر : « لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا » « 1 » ، قالت زينب : سمعت أمي أم سلمة تقول : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن ابنتي توفى زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها ؟ فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لا » مرتين أو ثلاثا . ثم قال : « إنما هي أربعة أشهر وعشرا ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول ؟ » قال الراوي « 2 » قلت لزينب : ما ترمى بالبعرة على رأس الحول ؟ فقالت زينب : « كانت المرأة إذا توفى عنها زوجها دخلت حفشا « 3 » ولبست شر ثيابها ، ولم تمس طيبا حتى تمر بها سنة ، ثم تخرج فتعطى بعرة ، فترمى بها ، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره » « 4 » . وترى من هذا أن الإسلام قد ألغى تلك العادات الجاهلية ، وقصر أمد الحداد على الوفاة ، فجعله أربعة أشهر وعشرا بدل سنة . وقد يرد سؤال آخر : لما ذا حد العدد بأربعة أشهر وعشرا ؟ وإن تقدير الأعداد كما يقرر الفقهاء أمر توقيفى خالص لا يجرى فيه القياس ؛ ولكن ليس معنى ذلك أنه لا حكمة فيه ؛ وإن الحكمة يقررها العلماء في أمرين : أولهما - أن الأشهر الأربعة هي التي يظهر فيها الحمل ويستبين ، وقد جعلت العشر بعدها للاحتياط ، وتعرّف أعراضه وظواهره ؛ وذلك لأنه لما وكل أمر براءة الرحم إلى مدة ، لوحظ فيه المدة التي فيها يعرف ويستبين وتظهر أعراضه .
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الجنائز - إحداد المرأة على غير زوجها ( 1201 ) ، ومسلم : الطلاق - وجوب الإحداد في عدة الزواج ( 2730 ) . ( 2 ) الراوي هو حميد بن نافع ، شيخ البخاري ، من الطبقة الوسطى من التابعين ، وكنيته أبو أفلح . ( 3 ) الحفش : المكان الضيق في البيت . ( 4 ) هذا الحديث متفق عليه ، رواه البخاري : الطلاق : تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا ( 4920 ) ، ومسلم : وجوب الإحداد ( 2730 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 819 | محمد أبو زهرة