وهنا نكتة بلاغية نشير إليها ؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى عبر عن الذين يختارهم النساء ويمنعن عنهم ظلما بالأزواج مع أن الزواج لم يتم ، للإشارة إلى الحقيقة المقررة الثابتة ، وهو أن من يقع اختيارها عليه ، ويتراضيان عليه بالمعروف ، ولم يكن الزواج بينهما فيه ما يشينها أو يشين أسرتها هو الذي ينبغي أن يكون ازدواجها به ، وهو في حكم الفطرة زوجها ، وعلى الأولياء ألا يعاندوا حكم الفطرة ، بل عليهم أن ينفذوه ويقروه ، ولا يصح لأحد أن يعارضه .
ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
ذلك القول الحكيم ، والأمر الكريم يذكّر الله به تذكيرا يرق معه قلب المؤمن وتخشع نفسه ، ويوجل قلبه إذا كان يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ ذلك لأن الإيمان بالله ، والإحساس بعظمته وكبريائه ، يمنع الظالم من أن يظلم ، ولا يظلم الظالم إلا وهو في غفلة عن الله ، ولو أحس بأن الله محاسبه ، وأنه يأخذ الظالم بظلمه ، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ، ما استمر في ظلمه ، ولا استرسل في غيه ، ولكنه يكون حال ظلمه في غفوة عن الإيمان ، ونسيان للواحد الديان وهو القاهر فوق كل شئ .
والإيمان باليوم الآخر من شأنه أن يحس معه المؤمن بالحساب والعقاب الذي يرتقبه ، ومن شأنه أن يجعل المؤمن يستهين بالدنيا وما فيها ، ويعلم أنها ظل زائل ، وعرض حائل ، وأن الآخرة هي الباقية وإذا كان كذلك قلل من الرغبات ، وإذا قلت الرغبات ضعفت الدوافع إلى الظلم ، وخمدت نوازع الشر .
ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ذلكم أيها المؤمنون أجمعون من غير تخصيص طائفة بالخطاب ، وهو ما شرعه الله سبحانه من أحكام خاصة بسلطان الأزواج والأولياء ، أزكى وأطهر ، والزكاة النماء ، أما أنه أزكى وأنمى ؛ فلأن قيام الأسرة على العدل والمودة والتراحم يزيد في عدد الأمة فيكثر النسل ؛ ويزيد من قوتها ؛ لأن الجماعات القوية هي التي تقوم على أسرة قوية ، ولا شئ يقوى الأسرة أكثر من المودة والعدل والرحمة ؛ وأما أنه أطهر فلأن المرأة إذا عوملت معاملة كريمة بالحق والعدل وأطلقت حريتها في دائرة المعروف المعقول ولم