تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 805

مساهمون:

ص٨٠٥
أحدهما - أنهن اللائي ولدنهم وكن الوعاء الذي برزوا منه إلى الوجود ، وقد تربوا فيه ومنه تغذوا ، فكان من الحق أن يتغذوا منه حتى يستغنوا عنه ؛ وفي هذا إيماء إلى وجوب الإرضاع على الأمهات . وثانيهما - أن الغذاء الذي يناسب الطفل في مهده هو الغذاء الذي يكون من نوع ما كان يتغذى منه في بطن أمه ؛ وكان في التعبير بالوالدات إشارة إلى ذلك ؛ لأن الولادة انفصال الحمل عن أمه وبروزه إلى الوجود ؛ فهي تشير إلى الصلة بين المكان الذي خرج منه ، وحياته التي يستقبلها ؛ وذلك إيماء إلى وجوب التناسب بين الحالين ، والتناسب بينهما من حيث الغذاء ، يوجب التجانس بين حالي الغذاء ، وذلك يوحى من جهة ثانية إلى وجوب إرضاع الأم ولدها ، وهو ما سيقت له الجملة السامية . وقوله تعالى :
يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
هو أمر جاء على صيغة الخبر ؛ فمعنى
يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
ليرضعن ؛ أي عليهن إرضاع أولادهن ؛ وعبر عن الطلب بصيغة الخبر ؛ للإشارة إلى أن ذلك الوجوب تنادى به الفطرة ، ويتفق مع طبيعة الأمومة ، وأن الأمهات يلبين الطلب فيه بداع من نفوسهن ؛ فلذلك عبر بالخبر ، كأن الإرضاع وقع من غير طلب خارجي ، فكان ذلك التعبير مفيدا للأمر التكليفي ، ومقررا للأمر الفطري . والفقهاء يقررون أنه مطلوب من المرأة أن ترضع ولدها ، ولكنهم يختلفون في مدى هذا الطلب ؛ فالحنفية يرون أن هذا الطلب للندب في جملته ، فليس على الأم إرضاع ولدها ، إلا في حال الضرورة ، بأن لم يوجد من يرضعه سواها ، أو لا يلقم الولد إلا ثديها ، أو كان الأب عاجزا عن استرضاع ولده عند ظئر ؛ إذ لا يملك أجرتها ؛ وينافي هذا الرأي قوله تعالى :
وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ
هامش
الولد عند المكايدة ، ولأن إيجابه الرزق بعد ذلك في نظير الرضاع يوجب ذلك ، وللنهي عن المضارة وهي لا تتصور إلا عند الطلاق . ثانيهما : أن المراد الزوجات وهذا قول لا حجة له ، وما اخترناه أولى لما فيه من عموم ولا دليل على التخصيص .
زهرة التفاسير — صفحة 805 | محمد أبو زهرة