تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 801

مساهمون:

ص٨٠١
في كل هذه الصور يكون عضل المرأة ، وحبسها والتضييق عليها في ذات نفسها ؛ فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك في قوله تعالى :
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ .
وقد قال بعض العلماء : إن الخطاب للمطلقين ليمتنعوا عن تلك العنجهية الجاهلية ؛ وقال بعضهم الخطاب للأولياء لكيلا يحولوا بين النساء وبين الزواج ممن يردن من غير سبب ومبرر ، سواء أكان الزوج الذي ارتضته هو المطلق السابق أم كان غيره . ونحن نرى أن الخطاب عام لكل المؤمنين ممن يقع في دائرتهم ذلك ، فهو يعم المطلقين ، ويعم الأولياء ، ويعم غيرهم ممن يتصلون بهم ، ويعم أولياء الأمر الذين بيدهم الهيمنة على الأمور ؛ والتعميم بهذا الشكل يدل على التكافل بين آحاد الأمة ، ووجوب التعاون بينهم في منع كل ظلم ، وخصوصا ما يقع على الضعفاء ، وما يمس الحرية الشخصية في أدق ما تتجه إليه ، ولا شئ يهم المرأة أكثر من اختيار زوجها ، ولا عقد أمس بالوجدان من عقد الزواج ، ولا اتفاق أكبر خطرا في الحياة من ذلك الاتفاق ؛ فالظلم فيه خطير بمقدار ماله من خطر وشأن . غير أن المرأة ليست لها الحرية المطلقة في اختيار من تشاء من الأزواج ، بل إن رضاها مقيد بالمعقول والمشروع ؛ ولذا قيد التراضي بقوله :
إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ
أي بالأمر الذي تسير عليه العقول ، ويجرى به العرف ، ويقره العقل ، ولم يكن ثمة سبب للاعتراض ، فليس من المعقول أن يطلق اختيارها ويحترم إذا اختارت لمجرد الهوى العارض ، سواء أكان كفئا لها أم لم يكن كفئا ؛ ولذلك سوغ أبو حنيفة للولي أن يعترض إن تزوجت بغير كفء ، فهو قد أطلق حريتها ، ولكن إن أساءت الاختيار كان للولي الاعتراض ، وغير أبي حنيفة أشركوا الولي معها في الاختيار حتى لا تضل ، ولكن نهاهم القرآن عن أن يمتنعوا من غير سبب معقول ، وإلا كان ذلك عضلا ، ولها أن ترفع الأمر إلى القاضي صاحب الشأن ليرفع ظلم الأولياء .
زهرة التفاسير — صفحة 801 | محمد أبو زهرة