تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 798

مساهمون:

ص٧٩٨
ويصح أن يراد بالآيات الآيات التكوينية ، لا الآيات القرآنية الحكمية المتلوة ؛ وذلك لأن من آيات الله في الكون أن جعل الزوج سكنا تربطها به المودة ، فقال :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً . . .
( 21 ) [ الروم ] فمن طلق عابثا وراجع عابثا ، وجعل الحياة الزوجية اضطرابا وضرارا وعداوة بدل المودة ، فقد استهزأ بآيات الله الكونية ، فحرم نفسه من نعمتها ؛ ولذا قال سبحانه بعد هذا النهى :
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ .
فقد أمر سبحانه وتعالى المؤمنين بأن يتذكروا دائما نعمة الله تعالى عليهم ، وأن يتذكروا ما في الكتاب وما جاءت به السنة من أحكام وعظات . أما النعمة التي يجب تذكرها فهي نعمة الزوجية خاصة ، ونعمه سبحانه وتعالى عامة ، ونعمة الزوجية تتجلى في أن يكون للشخص أليف في الحياة يقطع معه بيداءها ، ويتحمل معه لأواءها ؛ ويكون بيت الزوجية فيها كواحة في وسط صحراء الحياة ، وروضة يأوى إليها بعد المشاق وبعد الكد واللغوب ، فمن عبث بهذه النعمة فقد ظلم نفسه ، ونسي أنعم الله سبحانه وتعالى عليه ، ثم حق عليه أن يتذكرها ؛ ومن كمال نعم الله أن ذكره بها في مقام نسيانه لها . والتذكير الثاني هو بما أنزل الله من الكتاب والحكمة ؛ والكتاب هو القرآن الكريم ، والحكمة هي السنة النبوية كما فسرها الشافعي رضي الله عنه ، وهو تفسير حكيم نقبله ؛ لأن العطف يقتضى المغايرة ، فلا بد أن تكون الحكمة غير الكتاب ؛ ولا شئ نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد الكتاب غير ما اشتملت عليه السنة من أحكام ؛ فما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ينطق عن الهوى
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
( 5 ) [ النجم ] والحكمة معناها العلم النافع الذي يتجه إلى ناحية العمل الذي به تنضبط النفس ، وذلك يتلاقى مع السنة النبوية ، فكانت جديرة بهذه التسمية ؛ لأنها تفصل الأحكام العملية الجزئية ، وترشد إلى تنفيذ ما اشتمل عليه القرآن الكريم من قواعد كلية ، ونظم جامعة .
زهرة التفاسير — صفحة 798 | محمد أبو زهرة