تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 748

مساهمون:

ص٧٤٨
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
هذا موضع المؤاخذة ، وهو ما كسبته القلوب ، أي قصدته وأرادته . ولم يجئ عفو الخاطر ؛ أو لم يبن على علم ناقص وما قصدته القلوب نوعان : أحدهما - أن يقصد إلى فعل أمر أو الامتناع عن أمر مستحصدا عزيمته على ذلك ، موثقا تلك العزيمة بيمين الله سبحانه وتعالى . وثانيهما - أن يحلف على شيء كاذب مؤكدا قوله لسامعه ليعتقد السامع صدقه ، والحالف جازم بأنه كاذب ؛ وتسمى هذه اليمين يمين الغموس ، ويدخل فيها الأيمان التي يحلفها شهود الزور ، والكاذبون في التقاضى . والمؤاخذة في النوع الأول بوجوب الكفارة إن حنث في يمينه ، وفي النوع الثاني بالإثم المستمر ، حتى يتوب توبة نصوحا ، ويرد الحقوق إلى أصحابها إن ترتب على يمينه ضياع حق أو حكم بباطل . ولقد قرر الشافعي رضي الله عنه أنه تجب مع ذلك كفارة يمين ، ولم ير الحنفية فيها كفارة ، إنما الكفارة فيما يقبل الحنث ، وتلك لا تقبل الحنث . وعبر سبحانه وتعالى عن القصد والتعمد بقوله تعالى :
بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
وكسب القلب أدق وأخص من مجرد التعمد ؛ وذلك لأن كسب القلب معناه أن اليمين كان لها أثر فيه ، قد اكتسبه منها ، كما كسبت منه القصد والابتعاد عن معنى اللغو . والأثر الذي تنتجه الأيمان المقصودة يختلف باختلافها ؛ فإن كانت يمينا برة هي خير في ذاتها وفي موضوعها ، والإصرار عليها لا ينتج إلا خيرا ، اكتسبت القلوب عزيمة نحو الخير ، وإصرارا عليه وإيمانا به ، فتشرق بنور الله ، وتستنير بذكر الله . وإن كانت اليمين فاجرة كاذبة في موضوعها لم يقصد الحالف فيها إلا تزكية الإثم ، فإن القلب يكسب منها شرا ، إذ ينكت فيه الإثم نكتة سوداء ، وبتكرارها تحيط بالقلب خطيئاته ، وتستغرقه سيئاته ، ويرين الله سبحانه وتعالى عليه بغشاوة كثيفة من الآثام .