تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 751

مساهمون:

ص٧٥١
على البغض الشديد ، ولا شئ يفعل في نفس المرأة أشد من الإحساس بالبغض من العشير والضجيع الذي وهبت له نفسها ، وأعطته قلبها ، فكان منه ذلك النكر وذلك الهجر . ولقد جعل الله سبحانه وتعالى أقصى غاية الصبر منها هو أربعة أشهر ، وبعدها يكون الفصم ، وإنهاء تلك الحياة الزوجية التي تحكمت بين الزوجين فيها البغضاء . ولما ذا كانت المدة أربعة أشهر ؟ لقد ذكر بعض العلماء أن تلك المدة أقصى ما تصبر عليه المرأة في المضارة بذلك الهجر غير الجميل . ولقد سأل عمر نساء عن مقدار ما تصبر المرأة عن زوجها ، فقالت بعضهن شهرين ، ويقل صبرها في ثلاثة ، وينفد صبرها في أربعة أشهر . ولقد كان عمر رضي الله عنه بعد هذا يسترد الغزاة ويستبدل بهم غيرهم بعد أربعة أشهر . ثم إن التقدير بأربعة أشهر هو الذي يتفق مع جملة الأحكام الشرعية ؛ ذلك لأن الرجل أبيح له أن يتزوج أربعا من النساء ، وإذا كان في كل شهر يقرب نساءه مرة ، ويبادل بينهن ، فإن قسمها يكون مرة كل أربعة أشهر ، فكان من تناسق الأحكام الشرعية أن جعلت المدة التي تصبر فيها المرأة مع هذا الهجر أو تتصبر أربعة أشهر ؛ وذلك فوق أن الفطرة تقول : إن ذلك أقصى غاية الصبر على البعد المتعمد .
فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وإن تلك المهلة التي أعطيها الزوج يتربص فيها وينتظر ، والله يرقبه ، والشرع يترقبه ، إنما هي لكي يقلع عن الظلم وتعود المودة إلى ما كانت عليه ، ويؤدم بينهما بحياة رفيقة يقطعانها ، فإن فاء إلى زوجه أي رجع إلى مضجعه الذي هجره ، وقرب من امرأته ومسها ، وحنث في يمينه ، كفّر إذ جعل الله سبحانه وتعالى الكفارة تحلّة الأيمان ، وعندئذ يغفر الله سبحانه ما كان منه ؛ ولذا قال سبحانه :
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي أن الله سبحانه وتعالى يغفر لهم ما فرط منهم في جنب أهلهم ، والقطيعة التي كانت منهم ما داموا قد رأبوا الصدع وعادوا إلى رشدهم وطيبوا قلوب أهليهم ، وأقاموا المودة ، وملئوا البيت أنسا بعد أن ملئوه