وأرى أن كل صور أيمان اللغو الواردة عن الصحابة تدخل في معنى يمين اللغو التي كان من فضل الله على عباده ورحمته بهم أن رفع عنهم إثمها ، ولم يجعلها موضع مؤاخذة ولا اعتداد ، فلا إثم ولا كفارة فيها .
ولنسرد هذه الصور بإسنادها ، وكلها يقع مثله في الحياة اليوم ، كما وقع مثله بين الناس في الماضي :
( أ ) ومن صور يمين اللغو ما رواه الزهري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن اللغو هو ما يكون بين القوم يتدارءون به في الأمر ، فيقول هذا والله وبلى والله ، وكلا والله يتدارءون في الأمر ، ولا تعقد عليه قلوبهم ؛ أي أن القوم يتحادثون أو يتذاكرون فتجرى على ألسنتهم ألفاظ اليمين لا يقصدون بها يمينا ، فلا يقصدون توثيق قول ، ولا تأكيد خبر ، وقصر الشافعية اللغو على هذا .
( ب ) ومن صور اللغو ما روى عن عائشة أيضا أن اللغو هو الشئ يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق ، فيكون على غير ما حلف عليه ؛ أي أن الشخص يحلف على أمر يعتقد أنه الصدق ، ثم يتبين أنه كان مخطئا في اعتقاده ؛ فهذا لا يؤاخذ عليه رب العالمين ، ولا كفارة فيه . وبهذا فسر الحنفية اللغو .
( ج ) ومن صور اللغو المروية عن ابن عباس يمين الغضب الذي يذهب فيه اللب ، ويفقد التقدير ؛ فقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ( لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان ) وإن ذلك فيه بعض النظر ، وهو سليم إن قصد به الغضب الذي يفقد فيه الغاضب وزن الأمور .
( د ) ومن صور اللغو ما روى مرسلا عن الحسن البصري أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مر على قوم ينتضلون - يعنى يترامون بالسهام - ومع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم رجل من أصحابه ، فقام رجل من القوم فقال : أصبت والله ، وأخطأت والله ؛ فقال
زهرة التفاسير — صفحة 746
مساهمون: محمد أبو زهرة
ص٧٤٦