وبعد هذا الإجمال نتكلم في معاني هذه الجمل السامية لنستبين هذه الإشارات من تلك العبارات القدسية ، فنتكلم في معنى قوله تعالى :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
أصل كلمة حرث تطلق على إثارة الأرض لإلقاء البذر فيها ، وقد تطلق كلمة الحرث على الأرض المحروثة نفسها ، فتسمى الأرض المحروثة المهيأة للزراعة أو المزروعة فعلا حرثا ، ومن ذلك قوله تعالى :
أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ
( 22 ) [ القلم ] ثم أطلقت كلمة حرث في الآية الكريمة وأريد بها الزوجة على سبيل التشبيه ، وقد قال في وجه التشبيه الراغب الأصفهاني ( بالنساء زرع ما فيه بقاء نوع الإنسان ، كما أن بالأرض زرع ما به بقاء أشخاصهم ) .
ففي الكلام إذن تشبيه للزوجة بالحرث ؛ ووجه التشبيه الذي ذكره كان بين الزوجة وبين الأرض الخصبة المنتجة من حيث إن كليهما يمد الوجود الإنسانى ؛ فالزوجة تمده بعنصر تكوينه وإنشائه ، والأرض تمده بالزرع الذي يكون به بقاؤه .
وذكر الزمخشري أن التشبيه بين ما يلقى في الأرحام من النطفة والبذر الذي يلقى في الأرض من حيث إن كلا منهما ينمو في مستودعه ، ويكون به البقاء والتوالد .
وكيفما كان توجيه التشبيه من الناحية اللفظية ، فإن الجملة الكريمة ترمى إلى معنى كريم ، وهو أن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست هي قضاء الوطر لإشباع الشهوة المجردة ، بل هي تنظيم النسل فلا يصح للرجل الكامل الذي اتجهت به الإنسانية نحو الكمال أن ينظر إلى زوجه إلا على أنها مستودع سر الوجود الإنسانى ، وأنها مربى ولده ، وأن قطعة منه تتصل بها فيختلط وجوده بوجودها ، وتخرج من رحمها وديعته ، وقد امتزجت فيها عناصرهما وخواصهما وطبائعهما ، وصارت صورة في الوجود لأشخاصهما ، ومنازعهما ، وإذا كانت الخلطة الفطرية قد أوجد الله بها ذلك المخلوق الذي يريان فيه أنفسهما موحدة متلاقية ، فإن ذلك يتقاضاهما أو يحملهما على تنشئته على صورة لما يصبوان إليه من كمال ؛ وإذا تقاصرت نفس أحدهما عن الآخر فقد يكون الاضطراب في تكوينه الخلقي ، بل يكون نقص في تكميل نموه الجسمي .