وإذا كان ذلك بعض ما يشير إليه التعبير عن الأزواج بأنهن حرث ، فإنه بلا شك يحث الرجل على أن يتخير موضع حرثه ، كما يتخير موضع زرعه ، فإنه لا يطلب لبذره إلا الخصبة القوية من الأرض ، فكذلك لا يطلب إلا القوية من النساء في جسمها وخلقها ودينها ، وطيب أرومتها ، وكرم بيئتها ؛ ليكون الولد قويا ، ولينشأ نشأة كاملة تربى فيه قوة الجسم والخلق والدين والعقل ؛ ولذا جاء في المأثور « تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم » « 1 » وروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إياكم وخضراء الدّمن » وهي المرأة الجميلة التي نبتت في منبت سوء « 2 » . فلا تطلب المرأة لجمالها ولا لمالها ، ولا لجاه أسرتها ، ولكن تطلب لدينها وخلقها ، ولبيئتها الدينية الخلقية الطاهرة .
وقوله تعالى :
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
تشير إلى المباسطة التي تكون بين الزوجين ، وإبعاد ما يتكلفه الإنسان في لقاء الإنسان ؛ فإن ذلك يزول عندما يكون الرجل مع زوجه ، ويستروح راحة الحياة ، ومودة العشرة الزوجية ؛ فإن قوله :
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
معناه قاربوا أو باشروا نساءكم كيف شئتم . وقد روى الرواة أن اليهود الذين كانوا يجاورون أهل المدينة كانوا عند المباشرة لا يرى الرجل من زوجه شيئا ، ولا تكون المباشرة إلا بإبعاد حرف من الثياب ؛ وقد سرت تلك الحال من التكلف إلى الذين كانوا يساكنونهم من أهل يثرب ، ولعلهم ظنوا ذلك أدبا وتهذيبا ، وحسبوه أمرا في هذه الحال مطلوبا ، فسلكوا مسلكهم ؛ وكانت قريش تزيل كل تكلف من هذا عندما يختلى الرجل بزوجه ؛ فلما كان التزاوج بين المهاجرين من قريش ، والأنصار من أهل المدينة الذين سرى إليهم ذلك التزمت من اليهود ، كانت تحدث نفرة أحيانا بين الزوجين بسبب التزمت من جانب ، ورغبة التبسط من جانب آخر ، فكان قوله تعالى :
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
مزيلا للتكلف ، داعيا إلى
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة : كتاب النكاح - الأكفاء ( 1958 ) .
( 2 ) مسند الشهاب ( 957 ) ، وجاء في كشف الخفا ( 855 ) : « إياكم وخضراء الدمن » . رواه الدارقطني في الأفراد ، والرامهرمزي والعسكري في الأمثال ، وابن عدي في الكامل .