المباسطة ، ليكون ما بين الرجل والمرأة فيه استرواح للنفوس ، واستجمام للقلوب ؛ فكلمة ( أنى ) معناها ( كيف ) أي باشروا نساءكم في موضع الحرث على أي شكل كانت المباشرة .
ويقول علماء اللغة إن ( أنى ) يستفهم بها وتكون بمعنى كيف ، وذلك أصل استعمالها ، وقد تكون مع استعمالها بمعنى كيف للمكان أيضا ؛ ولذلك يقول الراغب الأصفهاني : ( أنى للبحث عن الحال والمكان ؛ ولذا قيل هو بمعنى أين وكيف لتضمنه معناهما ؛ قال الله عزّ وجل :
أَنَّى لَكِ هذا . . .
( 37 ) [ آل عمران ] أي من أين وكيف لك هذا ؟ ) .
وهي هنا بمعنى كيف الذي هو أصل استعمالها . وذكر الحرث « 1 » في قوله سبحانه :
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
للإشارة إلى أنه مع إباحة الاستمتاع الجسدي ، والاسترواح النفسي ، وإحلال المباسطة محل التكلف والتزمت ، مع كل هذا لا ينسى المقصود الأصلي ، وهو أن الغاية هو النسل والقيام على شؤونه وتربيته ؛ فإذا كانت الحياة الزوجية يزول فيها كل ما يحجب الإنسان عن الإنسان من ظواهر وأشكال ، فإن لذلك غايتين ساميتين :
إحداهما : النسل وتهذيبه والقيام على شؤونه .
والثانية : الاستجمام والاستعداد بهذا الاستجمام للقيام بأعباء الحياة موفور القوى النفسية التي هي معين الصبر ، وأساس الاحتمال .
هامش
( 1 ) قال المصنف رحمه الله : أصحاب النفوس المنحرفة والأهواء المردية يتقولون الأقاويل ، وقد انحرفوا في تفكيرهم بمقدار انحراف نفوسهم عن الفطرة القويمة ، فقد زعم بعض الجهلاء الذين إيفت نفوسهم أن معنى قوله :أَنَّى شِئْتُمْأي في أي مكان شئتم في القبل أو الدبر ، ولم يكتفوا بذلك الفهم الضال ، بل حاولوا إسناده إلى عبد الله بن عمر ، وإلى مالك ، وقد كان ذلك كذبا لا شك فيه ، فقد نفاه ابن عمر نفيا باتا عندما ترامى إليه ، بل إنا لا نتصور أن شخصا مستقيم الفطرة يقوله ، وكذّب الثقات بالإجماع نسبته إلى مالك ، والآية لا تفيده ، ولا يتصور أن تفيده ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُأي بمقتضى الفطرة والتكوين وذلك في موضع النسل ؛ ولأن الله يقول :نِساؤُكُمْ حَرْثٌويكون حرثا إذا كان المقصود موضع النسل ، ولأن الله يقول :فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْأي ائتوا موضع الحرث ، ولا يتصور ذلك إلا في موضع النسل ، وما كان لنا أن نخوض في هذا لولا هؤلاء الذين انحرفت فطرتهم فضل فهمهم .