تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 733

مساهمون:

ص٧٣٣
وبه الطهارة ، وإن كان الانقطاع لأقل من عشرة أيام فلا بد من تأكد زوال الدم بعمل آخر من جانبها وهو الاغتسال الفعلي ، وبذلك تنطبق قراءة
حَتَّى يَطْهُرْنَ
فالحنفية قد أعملوا القراءتين في نظرهم . وغيرهم لم يفرق بين القراءتين في المعنى وفسرهما بمعنى الاغتسال فلا تحل قبله مطلقا ؛ فالطهر حقيقة فيه ، وغيره مجاز ، ولا قرينة تدل على إرادة المعنى المجازى ، فلا يعدل عن الحقيقة ؛ وفوق ذلك فإن إباحة المباشرة صرح فيها بأن ذلك متصل بالتطهر ، لا بالطهور ؛ فقد قال سبحانه :
فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
وإذا كان المنع مؤقتا ، فإنه بزواله تجىء الإباحة ، وتعود الحال إلى ما كانت عليه ؛ وهنا كلمتان ساميتان نشير إلى بعض ما اشتملتا عليه من معان سامية ؛ وهما قوله تعالى :
فَأْتُوهُنَّ
والثانية قوله :
مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ .
والطلب في قوله تعالى :
فَأْتُوهُنَّ
ليس المراد به الحتم واللزوم . فليس بلازم الإتيان عقب التطهر ؛ لأن ذلك مبنى على الرغبة والطاقة ، إنما المراد هو إباحة المباشرة فإنه من المقرر عند علماء الأصول أن الأمر بعد النهى يكون للإباحة ، وخصوصا إذا كان الموضع موضع حل وإباحة لا موضع تكليف وإلزام ، مثل قوله تعالى :
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا . . .
( 2 ) [ المائدة ] ومثل قوله تعالى :
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ . . .
( 10 ) [ الجمعة ] . وأما الكلمة الثانية وهي
مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
فمن هنا المسماة بمن الابتدائية ؛ أي الإتيان يكون مبتدئا من المكان الذي أحله الله سبحانه ، وهو الذي كونه الله سبحانه على أنه المكان الفطري الطبيعي لتلك العلاقة الجنسية ، وهو مكان البذر والإنسال ؛ فالمراد من أمر الله في هذا المقام الأمر الإلزامى الذي جاء الإلزام فيه بحكم الشرع الإلهى ، وبحكم الفطرة التكوينية ؛ فقد أمر الله بأن تكون المباشرة في موضع النسل والحرث والبذر ، والفطرة التي فطر الله الناس عليها توجب ذلك وتلزم به ؛ إلا من إيفت مشاعرهم وشذ تكوينهم ؛ ولذلك كانت تلك الفطرة هي الوضع