وروى أن عليا كرم الله وجهه دخل على رجل يعوده ، فقال الرجل : أوصى ؟
فقال الإمام كرم الله وجهه : « قال الله تعالى :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
إنما تركت شيئا يسيرا فاتركه لأولادك » « 1 » .
ويفهم من هذا أن المراد بالخير المال الكثير ، وتقديره نسبى بحسب حال الورثة وحاجتهم وعددهم ؛ ولذلك اختلف الصحابة في تقدير الكثرة فمعظمهم قدرها بما فوق الستين دينارا ، وقدرها بعضهم بثمانين دينارا فأكثر ، وروى عن قتادة أنه قال :
ألف فما فوقها ، أي من الدراهم . وهكذا نرى أن الكثرة من علماء الصحابة فسروا الخير بأنه المال الكثير الذي يتناسب مع حاله وحال ورثته وعددهم وأن أحدا من الصحابة لم يفسره بأنه أي مال .
ولم يقدر مقدار الموصى به ، ولا دليل على تقدير قدر معين له ، وقد ترك التقدير لتحقيق كلمة بالمعروف ، أي الأمر الذي لا تستنكره العقول ، وتعرفه وتقر به ، وتعبير القرآن الكريم في قوله :
بِالْمَعْرُوفِ
يدل على ما لا يستنكر في العرف والعادات ، المستقيم الذي يضع الأمور في مواضعها ويزنها بميزان الحق .
وقوله تعالى :
لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ
وقد ذكرنا معنى بالمعروف ، وقد كان النصب يوجب على من يقول بالوجوب الوصية للوالدين والأقربين وذكر الوالدين أولا ؛ لأن الله تعالى أوصى بالإحسان إليهما وأكد الإحسان ولو كانا مشركين وقال تعالى :
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً . . .
( 15 ) [ لقمان ] .
والأقربون من الأقارب هم الذي تدنو قرابتهم أكثر من غيرهم كالإخوة والأخوات والأبناء والبنات ، وغيرهم من ذوى العلاقات المباشرة بالقرابة كالعم وابن الأخ .
هامش
( 1 ) رواه البيهقي : كالسابق ( 12726 ) عن هشام بن عروة ، بلفظ : إنّ الله تعالى يقول :إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ . . .( 180 ) [ البقرة ] وإنّك إنما تدع شيئا يسيرا ، فدعه لعيالك ، فإنّه أفضل .