تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
يكتب ، فنقول إنه بعد ذكر صيغة الوجوب ، وهي « كتب » الدالة على الفرضية يكون الحديث دالا على الكتابة تنفيذا للفرضية وتأكيدا لها ، وتثبيتا ، وقال الأكثرون الوصية ليست واجبة في غير الودائع ، والديون التي عليه ، والصدقات التي وجبت ولم يؤدها ، وقد اتفق الفقهاء على وجوب الوصية في هذه الأمور التي تكون حقا عليه ، ولم يقم بأدائه في حياته فيوصى به بعد وفاته . والظاهرية من نفاة القياس قرروا أن الوصية واجبة بظاهر الوجوب في قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمْ
وأنه إن لم يقم بذلك كان للقاضي أن يأخذ قدرا من الوصية يعطيه لمن يستحقه أي قدر كان . وقد علق تعالى طلب الوصية على وجود قدر من المال يسمى « خيرا » فقال تعالى :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
وما المراد بالخير ؟ قال بعض العلماء : إن أي قدر من المال خير ، لأن الله تعالى سماه خيرا فقال تعالى :
وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ
( 272 ) [ البقرة ] وإن المال القليل يطلق عليه إنه خير ؛ ولذا قال تعالى عن موسى عليه السلام :
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
( 24 ) [ القصص ] وإطلاق كلمة خير على المال قل أو جل لأنه سبيل للخير ، وخلق المال لجلب الخير ، ودفع الضر . وروى عن كثير من الصحابة أن الخير المراد به في الآية الكثير كثرة نسبية بالنسبة لحال الورثة وعددهم ، روى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال لها : إني أريد أن أوصى ، قالت : كم مالك ؟ قال : ثلاثة آلاف درهم . قالت : فكم عيالك ؟ قال : أربعة . قالت : إن الله تعالى يقول :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
وهذا شئ يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل لك « 1 » .
هامش
( 1 ) عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - قالت : قال لها رجل : إنّى أريد أن أوصى ، قالت : كم مالك ، قال : ثلاثة آلاف ، قالت : كم عيالك ، قال : أربعة ، فقالت : قال الله سبحانه :إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ . . .( 180 ) [ البقرة ] وإنّ هذا لشئ يسير ، فاتركه لعيالك فهو أفضل . [ رواه البيهقي في السنن الكبرى : باب من استحب ترك الوصية إذا لم يترك شيئا كثيرا ( 12727 ) ] .