تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
ولقد أكد سبحانه طلب الوصية ، فقال تعالى :
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
وحقا في الآية مفعولا لفعل محذوف يقدر بما يناسب القول أو الحكم ، فيقدر مثلا يجعلها الله حقا ، أو أوجبه حقا على المتقين . وإن اقتران حكم الوصية الدال على وجوبها للوالدين والأقربين يومئ إلى أنها محكمة لا تنسخ ؛ لأن الله تعالى لا يؤكد حكما جرى في علمه المكنون أنه سينسخه ذلك التأكيد . وهو يدل على الوجوب ويؤكده ، وذكر الوجوب على المتقين للإشارة إلى أنهم الذين يطيعونه اتقاء غضب الله سبحانه وتعالى وابتغاء رضوانه ، وإلى أنهم يسارعون بإجابته ، وأنهم ينفذون في دائرة المعروف غير المنكور . وإن الوصية تكون عطاء من رجل فان يتركها لمن بعده من ذوى قرابته أو الاتصال به ، وهي تكون وديعة بين أيديهم ، هي وديعة ذلك المتوفى الذي صار لا يملك من أمره شيئا ، وهي أيضا وديعة الله إذا كانت في سبيل الخير الذي يرضاه الله تعالى ؛ ولذا نهى الله تعالى عن تبديلها ، وقال تعالى :
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ
وهذا يدل على أن التبديل إثم ممن يقع منه التبديل سواء أكان وصيا في التركة أم كان وصيا على الورثة الضعفاء أم كان شاهدا ، أم كان قد أودع الوصية ، وبعبارة عامة ، كل من يكون في قدرته التبديل والتغيير في موضوعها ، أو في مقدارها ، أو في مستحقها ، ولا يقال إن التبديل من الموصى نفسه للسياق ؛ إذ يقول
بَعْدَ ما سَمِعَهُ
، أي القول الدال على الوصية ، والموصى لم يسمع القول بل قاله ، متفق عليه أن الموصى له أن يغير في الوصية ، ويبدل ما دام حيا ؛ لأنها تصرف غير لازم ، ولا تنفذ إلا بعد وفاة ، ولا يأثم إلا إذا غيرها من خير إلى غيره ، ولا يكون الإثم إلا من قصد الشر . وكان التبديل إثما لأنه خيانة للموصى الذي استودعه أسراره ، ولأنه اعتدى فغير وبدل فيما لا يملك التغيير ، ولأنه كشاهد الزور الذي يشهد بغير ما يعلم أنه الحق ، ولأنه يفوت الخير المعروف الذي قصده الموصى بوصيته .