تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
ففهم الشافعي من هذا أن اختلاف المطالع يعتبر ، بحيث لا يكلف أهل مطلع ، إلا على مقتضى مطلعهم ، وإني أرى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن العبرة بمطلع مكة ؛ أولا : لأنه كان بمكة ولم يعتبر برؤية الشام وثانيا : لأن مكة قبلة المسلمين يتوحدون عندها ، فيكونون كالدائرة حولها ، وثالثا : أن هلال ذي الحجة لا يعد إلا بهلالها ، ويوم عرفة وأيام التشريق وغيرها لا يعتد إلا بها ، ولأنها مجتمع الوحدة في الصلاة والحج فتكون مجتمع الوحدة الإسلامية في الصوم . هذا رأى رأيناه وعرضناه والله أعلم بالصواب . وإن شرعية صيام رمضان مع الرخص التي تسوغ الإفطار هو من تيسير أداء الفريضة ؛ ذلك أن من شأن هذه الشريعة أنها إذا كلفت تكليفا فيه مشقة فتحت باب الترخيص ليسهل الأداء وليداوم عليه ويستمر من غير تململ ، ولا تحمل المكلفين على أقصى المشقات ولذا قال تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
، وهذا النص الكريم فيه إشارة إلى تعليل هذه الرخص ، وفيه إشارة إلى الوصف العام لشرع الله تعالى ، الذي دعا إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يسروا ولا تعسروا » وما خير النبي بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن معصية ، وقال تعالى :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ . . .
( 78 ) [ الحج ] ولمقام التعليل في قوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
، عطف عليه تعليل آخر ، وهو قوله :
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
أي لتتموا عدة الشهر في يسر من غير إعنات ، وهنا فعل محذوف تقديره ، شرع لكم ذاك التيسير لكيلا يكون حرج وضيق في صومكم ، ولتكلموا العدة أي لتستطيعوا أداء العدد كاملا غير منقوص بالأداء لمن لا عذر له ، وبالأداء مع القضاء من أيام أخر لمن كان ذا رخصة تجيز الفطر وتوجب القضاء ، فتكون عدة الشهر قد كملت ، أداء وقضاء أو أداء فقط لمن له عذر .
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ
، ولتتجهوا إلى الله مكبرين ضارعين إليه جل جلاله على هدايته لكم بأن وفقكم للإيمان بدل الكفر ، وبأن مكنكم من أداء الواجب كاملا .