وفي قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
تعميم للقصاص مع تعريفه بال التي تفيد الاستغراق ، وتنكيره لكلمة حياة ، والتنكير هنا للتعظيم ، أي حياة سعيدة هادئة مطمئنة خالية من عبث السفاكين ، واعتداء المعتدين واستهزاء المستهزئين هي حياة كريمة تظهر فيها الفضيلة ، وتختفى فيها الرذيلة ؛ تحترم فيها الحقوق ، وتحقق فيها الواجبات ؛ يقام فيها العدل ، ويختفى فيها الظلم ، ويتحقق الاجتماع ، ولا يكون التنابذ والافتراق فلا شئ يربط الحياة بين الجماعات والآحاد سوى العدل والحق .
وكلمة الله السامية :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
اشتملت على إيجاز القصر البليغ إلى ما لا يصل إليه إلا كلام رب العالمين ، ولقد كان هناك مثل سائر في العرب ، يقولون إنه أبلغ الكلام في إيجازه ، وأعمقه في أدائه ، وهو قولهم : « القتل أنفى للقتل » ، وعقد بعض العلماء موازنة بينها ، وبين الجملة السامية
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
وقد استنكر ابن الأثير هذه الموازنة ؛ لأنه لا يوزن كلام الله تعالى بكلام أحد من الناس ، وعقد هواة الموازنة ربما يكون فيها تنزيل من مقام المعجز الذي لا يستطيع أحد من البشر أو الجن أن يأتي بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .
وإن الموازنة انتهت بأنه لا يمكن المماثلة بين كلام العرب وكلام الله تعالى ، وأنه بالنظرة العابرة نرى كلام الله تعالى في مكانة وكلام العرب في دركه ، فنجد أولا التكرار في لفظ « القتل أنفى للقتل » ، ولا تكرار في قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
ونجد أن الآية تدل على القصاص العادل ، و « القتل أنفى للقتل » لا تدل على القتل العادل ، بل تدل على مجرد القتل ، ونجد أن القصاص يشمل القتل وقطع الأطراف ، بينما كلمة العرب لا تدل إلا على القتل فقط ، ونجد أن لفظ العرب لا يدل على حياة الجماعة ، بينما أن النص القرآني السامي لا يدل فقط على نفى القتل بل يدل على قيام الحياة الكريمة من هذا القصاص العادل ، وإن المقابلة بين القصاص والحياة الكريمة تبين منزلة العدالة في القصاص .