العفو
والآية الكريمة فتحت باب العفو ، وهو من سلطان ولى الدم ، فقال تعالى :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
.
وفي هذا النص تحريض على العفو ، لكيلا تنهار دماء المسلمين ، ولكيلا تتأرث الأحقاد ، ولينسل البغض ويعود التسامح بين المسلمين ، ولأن جعل الحق للولي في القصاص يرهب الجاني ، وقد يكون القصاص ضارا لولى الدم ، كرجل قتل أخاه ، وولى الدم أبوهما فإنه إن كان القصاص ، وأغلق باب العفو ، فإن الأب المكلوم يفقد الولدين معا .
ولذلك كان من التخفيف والرحمة أن يكون حق القصاص قابلا للعفو ، وإنه إذا كان العفو كانت الدية كما قال كثيرون من الفقهاء ، ودل على ذلك قوله تعالى :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ
وهذا يدل ضمنا على وجوب الدية ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « أيما عبد أصيب بقتل أو خبل - أي جرح - فله إحدى ثلاث :
القصاص أو الدية أو العفو فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه » « 1 » .
وقوله تعالى :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
يدل على ثلاثة أمور :
أولها : التحريض على العفو بذكر الأخوة الرابطة التي لم يقطعها الاعتداء ؛ لأنها برباط الله تعالى فلا يفكه العبد .
ثانيها : أن أي قدر من العفو يسقط القصاص ، فلو تعدد الأولياء في درجة واحدة ، وعفا أحدهم سقط القصاص .
هامش
( 1 ) عن أبي شريح الخزاعىّ قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أصيب بقتل أو خبل فإنّه يختار إحدى ثلاث : إمّا أن يقتصّ وإمّا أن يعفو وإمّا أن يأخذ الدّية ، فإن أراد الرّابعة فخذوا على يديه ومن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم » . رواه أبو داود : كتاب الديات ( 3898 ) ورواه أحمد ( 15780 ) بلفظ : « من أصيب بدم أو خبل - الخبل الجراح - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : إمّا أن يقتصّ أو يأخذ العقل أو يعفو ، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه ، فإن فعل شيئا من ذلك ثمّ عدا بعد فقتل ، فله النّار خالدا فيها مخلّدا » . ورواه ابن ماجة ( 2623 ) ، والدارمي ( 2245 ) .