تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
أن عذابه في الدنيا أن يحرم من رحمة العفو ، وتحقيقه ؛ ولذلك قرر كثيرون من الفقهاء أنه إذا عاد المعفو عنه في قصاص إلى القتل مرة أخرى ، فإنه يكون من المفسدين ، فيقتل حدا وليس قصاصا ، وذلك لأنه قد يكون من الشّطّار الذين اعتادوا الاعتداء على الأنفس ، وإرهاب النفس ، ويكون عفو الولي رهبة منه لا رغبة ، فعندئذ يكون القتل لمنع فساده ، ولقطع طريق الشر ، ولذلك لا يكون محلا للعفو إذ يكون تمكينا من الشر . وهنا نلاحظ أن فتح باب العفو ، وأن يكون القصاص بطلب ولى الدم يخالف القوانين القائمة على أن جريمة الدماء تكون اعتداء على الجماعة ، ويكون المجنى عليه شاهدا ، وليس صاحب الحق الأول ، وإن العدل هو في النظرية الشرعية التي تعتبر الجريمة ابتداء متجهة إلى أسرة المجنى عليه ، وعن طريقها تتجه إلى الجماعة ، وذلك تمكين للأسرة من أن تنال حقها ، وردع للأشرار عن طريق القصاص ، أو التمكين منه ، ويكون منعا للثارات والفساد في الأرض ، والعقوبة واحدة ، القصاص صورة ومعنى أو صورة فقط ، ولا يفتح باب للتخفيف من عقوبة أشد إلى أخف منها إلا بإرادة المجنى عليه ، فيكون ذلك أمنع له من أن يفكر في ثأر ، أو يكون في نفسه غيظ مكظوم دفين . وإن شرعية القصاص على النحو الذي ذكره القرآن الكريم فيه حفظ للأنفس ، وإشاعة للطمأنينة في النفوس وإرهاب للعصاة المتمردين على المجتمع ، وإحساس بالراحة ؛ ولذلك قال تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
وإن هذه الكلمات السامية أبلغ تعبير عن آثار شرعية القصاص في الأمة . والقصاص كلمة عامة يشمل القصاص في الأنفس الذي اختصت به آية القصاص ، إذ قال تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
أما في هذه الآية
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
فإن القصاص يشمل الأنفس والأطراف والجروح ، كما قال تعالى في سورة المائدة ، بل يشمل القصاص في الضرب واللطم على ما حققه فقهاء السلف ، وأخذ به الإمام أحمد .