تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
ثالثها : أن التعبير بالبناء للمجهول يدل على تلمس العفو . ثم قال تعالى :
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
. أي إذا كان العفو ، فالأمر ينتقل من إراقة دم جديد إلى أن يكون اتباعا للقاتل من غير إرهاق بالملازمة ، بل بالأمر الذي لا يستنكر في العرف وتتعاون أسرة القاتل في أدائه من غير غباب ، وهذا من جانب ولى الدم ، ومن جانب القاتل وأسرته يكون الواجب هو الأداء بإحسان ، أي تكون نفوسهم سمحة ، ويؤدون الدية في مواقيتها من غير ليّ ، والإحسان الإجادة والإتقان وهو في مثل هذا المقام يكون بالمسارعة في الأداء والسماحة ولا مانع من الزيادة تطييبا للنفوس المكلومة . والنص الكريم يفيد بالإشارة إلى أن الدية بدل من القصاص عند العفو ، ولذلك ذكرت مترتبة عليه ، وكأنه إذا كان العفو ننتقل من القصاص صورة ومعنى بقتل القاتل ، إلى القصاص معنى وهو الدية ، فالقصاص ثابت في الحالين ، وإن اختلف الشكل . ولقد قال تعالى :
ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
الإشارة إلى العفو بعد وجوب القصاص ، فهو تخفيف من عنف القتل قصاصا ، الذي يفزع النفوس ، ويزعج وهو قاس ؛ إذ يقدم للقود في وقت لا يكون فيه انفعال مغيظ محنق ، بل في صبر وأناة ، وذلك يكون أشد وأعنف ، وفيه رحمة بالجانى ، إذ خرجت رقبته من القتل الذريع إلى الفداء بمال ، ورحمة بالعافى إذ به يتخلص من الأحقاد ، وأضغانها ، وقد يكون فيه رحمة خاصة بأسرته ، على النحو الذي ذكرناه ، ورحمة بالأمة لكونه بدل أن ينقص عددها اثنين ينقص إلى واحد ، وبدل أن تتبادل الدماء تنته المعركة . وإن ذلك لا يسوغ الاعتداء ولا يسهله ، ولا يفتح الباب لاعتداء جديد ، بعد أن أفلتت الرقبة من ضرب سيف قاطع ، ولذا قال تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي فمن اعتدى بعد العفو والدية ، وبعد شرعية القصاص العادل ، فله عذاب أليم في الدنيا ، وله عذاب أليم أي مؤلم في الآخرة ، ولقد فهم بعض الفقهاء