تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
الشرك بالله تعالى سول لهم أيضا أن يحرموا على أنفسهم ما لم يحرم الله ونسبوا ذلك لله تعالى ، وهذا تطاول على الله تعالى كتطاول الشرك ؛ إذ يقولون على الله ما لا يعلمون أنه قاله وحكم به ، بظن آثم من عندهم ، ولقد قال الله في جملة ما حرم :
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 33 ) [ الأعراف ] . ونرى من هذا أن الشيطان يأمر بنقيض ما يأمر الله تعالى ، وأن الشيطان يغرى بالظنون الفاسدة التي لا أصل لها ، وإن من أقبح ما يقع فيه الإنسان أن يحل ويحرم وينسب إلى الله تعالى قوله كما قال تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 117 ) [ النحل ] . وإن إغواء الشيطان لا حدود له فمخارفه مختلفة متكاثرة وصراط الله المستقيم واحد ؛ ولذا يغرى أتباعه باتباع الباطل بكل الطرق يغريهم بالإشراك هم وآباؤهم ، ويغريهم بتحريم ما أحل الله هم وآباؤهم ، ويظهره لهم كأنه الحق جليا بينا ، ولقد قال تعالى في ذلك :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
. نهانا سبحانه وتعالى أن نتبع خطوات الشيطان ، وبين لنا أنه يأمرنا بالسوء والفحشاء وأن نفترى على الله الكذب ، وأشار سبحانه وتعالى إلى أثره في إغواء المشركين ، وبين سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة إغواء شديدا آخر لهم ، وهو اتباع الآباء من غير فكر ولا عقل يتدبر فعلهم وأقوالهم ، يتدبر ما أثر عنهم أهو حق فيتبع أم باطل فينبذ ، أو هو صدق فيقبل أم كذب فيرد ، أو هو حسن فيقتدى بهم أم هو قبيح عليهم فينكره عليهم ، لا يفكرون في شئ من ذلك ، بل إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، وألفينا معناها وجدنا آباء كانوا واستمروا إلى أن جاءوا وهم تابعون لهم . يقال لهم اتبعوا ما أنزل الله ، وما أنزل