تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
الله تعالى يحمل حجته في ذاته ؛ لأنه أنزله الله ذو الجلال الخالق الرزاق ذو القوة المتين ، فدليله معه لأنه من عند الله وكفى بهذا دليلا مبينا . ولكنهم يعرضون عن هذا الأمر الموجّه للحق إلى باطل لا دليل فيه ،
قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا
، يضربون عن طلب اتباع الله ويستبدلون به اتباع ما وجدوا عليه آباءهم من غير حجة قائمة هادية ، ولا دليل مرشد موجه . إن اتباع الآباء وحده ليس حجة ، وكونهم استمروا عليه ليس دليلا مرشدا ، وإن اتباع الآباء إنما يكون حجة إذا كان عن علم وبينة ، وإذا علمتم أنه كان عن علم وبينة فيكون اتباعهم للحق في ذاته لا لآبائهم لمجرد أنهم آباؤهم ، ولكنهم يتبعونهم من غير بينة ولا دليل ، بل لمجرد التقليد الذي لا يهدى ولا يرشد ؛ ولذا قال تعالى منددا بتقليدهم الذي أضلهم :
أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
. الهمزة للاستفهام التوبيخى الذي هو إنكار ما وقع منهم فقد اتبعوا على غير عقل يوجه ، ولا على اعتقاد هداية قائمة ، والهمزة داخلة على فعل محذوف ، أي أيتبعونهم ، ولو كانوا لا يعقلون ولا يدركون بعقولهم أي شئ في هذا الاتباع ، يتبعونهم في إشراكهم بالله ، ويتبعونهم في تحريم ما أحل الله من طيبات من غير أي سبب موجب ، ولا أي دليل مرشد ، ولا هو فيه هداية ، بل فيه ضلال مبين ، لم يكن عند آبائهم دليل على ما هم عليه عقلوه ، ولم يكن عندهم داعية حق يهتدون بهديه ، وذكر قوله « لا يهتدون » بجوار قوله « لا يعقلون » لاختلاف موضوعهما ، فموضوع العقل تفكّر وتدبّر وطريقه المنطق والبرهان ، وموضوع الاهتداء اتباع لهاد مرشد كنبي مرسل ، فما كان لهم عقل مفكر ولا هاد يهتدون بهديه ، ولقد قسم الغزالي أهل الإيمان إلى قسمين : قسم يدرك بالبرهان ويسير بالقسط المستقيم ، وقسم يطمئن قلبه إلى الحق ويرتضيه بإشراق قلبه بنور الحكمة والفطرة المستقيمة ، أو باتباع هاد يهديه ويوجهه ويهتدى به ، وقد فقد هؤلاء الأمرين فليس لهم عقل يتدبر ولا هاد يهدى إلى التي هي أقوم ؛ ولذلك استنكر الله تعالى على المشركين اتباع آبائهم في الشرك وتحريم ما أحل الله تعالى حيث حرموه ونسبوا التحريم إلى الله تعالى من غير حجة ولا سلطان مبين .