تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
وإن ذلك مثل قوله تعالى في موضع آخر من الذكر الحكيم :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا . .
. ( 104 ) [ المائدة ] ومثل قوله تعالى عنهم :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
( 23 ) [ الزخرف ] . وإن هذا النص السامي الكريم يدل على أن التقليد في العقائد لا يجوز ، وشذ من قال غير ذلك ، وعلى الذين لا يعرفون دليلا أن يسألوا أهل العلم بذلك كما قال تعالى :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( 43 ) [ النحل ] ؛ ولذا يجب على العلماء أن يبينوا للناس عقائدهم ، لا بطريق علم الكلام ، بل بطريق القرآن ، فدليل القرآن هو الغذاء والدواء الشافي ، وأدلة علم الكلام كالدواء الذي يعطى بقدر لمن أصيبوا في عقيدتهم . وإن المشركين الذين يتبعون خطوات الشيطان في عقيدتهم ، ويتبعونه فيما يحلون وما يحرمون ، ويقولون نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، ويقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون بسبب ما أركسوا أنفسهم فيه قد صموا أنفسهم عن سماع الحق ، ولذا قال سبحانه في حالهم :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
. وقد تكلم المفسرون في هذا التمثيل البليغ ، فقال بعضهم : إن ذلك التمثيل هو تمثيل لدعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم والذين كفروا كمثل الراعي الذي يرعى غنمه ، فينعق : أي فيصيح بالغنم التي لا تسمع إلا دعاء ونداء زاجرا لينتقل بهم من كلإ كلإ ، ولكن هذا التشبيه لا يليق بدعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنها لا تسمى بهذا الاسم وهو النعيق . وقال بعضهم : إن ذلك تشبيه للذين كفروا في دعوتهم إلى أصنامهم التي لا تملك نفعا ولا ضرا ، كمثل الراعي الذي ينادى غنما لا تسمع إلا دعاء ونداء ما يزجره في الانتقال من كلإ كلإ ، وهذا تشبيه حسن في ذاته ، ولكن القرآن نسق واحد في البيان تأخذ كلماته بعضها بحجز بعض ، وربما لا يتقارب هذا التفسير مع
زهرة التفاسير — صفحة 504 | محمد أبو زهرة