ويأمر أيضا بالفحشاء أي يغوى بها ، والفحشاء من الفحش والأمر الفاحش ، وهو الذي يكون خارجا عن الفطرة المستقيمة ، ؛ إذ الأمر الفاحش هو الزائد زيادة كبيرة ، والفحشاء باعتبارها خروجا على الفطرة الإنسانية تعم المعاصي كلها من زنى وشرب خمر ، وسعى في الأرض بالفساد ، والإيقاع بين الناس بالنميمة والغيبة ، وغير ذلك من المعاصي النفسية واللسانية والاجتماعية ، وتطلق في كثير من آيات القرآن على الزنى فقط ، كقوله تعالى :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
( 15 ) [ النساء ] .
وتطلق الفحشاء على المعاصي الكبيرة التي تزيد عن المعقول ، ومن ذلك قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
( 90 ) [ النحل ] .
فالشيطان لا يأمر إلا بما فيه مفسدة تسوء الآحاد والجماعات وإلا بالمعاصي التي تفحش حتى لا يستسيغها عاقل إلا من يكون الشيطان قد أغواه .
ويأمر الشيطان أيضا ، أي يغوى ويضل على ما فسرنا معنى الأمر ، بأن يحرموا على أنفسهم ما لا يعلمون أن الله حرمه ، ويقولون على الله تعالى ما لا يعلمون له دليلا من عند الله ؛ ولذا قال تعالى في الأمر الثالث الذي يغوى به الشيطان بعد إغوائه بالسوء والفحشاء
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
أغواهم الشيطان بأن يحرموا على أنفسهم بعض الغنم من الإبل والبقر والنعم يحرمون أنواعا منها ، ويزعمون أن الله تعالى حرمها عليهم من غير حجة من عند الله ، كما أشركوا وادعوا أن الله تعالى لا يكره ذلك ، ولو كان يكرهه لمنعنا ، وقال الله تعالى في ذلك :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ
« 1 »
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
( 148 ) [ الأنعام ] ، فالشيطان كما سول لهم
هامش
( 1 ) قال المصنف رحمه الله : أي من النعم .