وإن النهى عن اتباع خطوات الشيطان له مغزاه ومعناه ، ذلك أن الشيطان يجئ من الحلال الطيب الذي تشتهيه الأنفس فيخلطه بغيره ، ويأخذ بالنفس التي تطيعه من طيب المال إلى سوئه ، ويأخذهم من مشتبهات الحلال إلى الحرام ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات » « 1 » ، فهو يجيئهم من هذه المشتبهات ومن أجل ذلك كان الأمر بالحلال قد اقترن به النهى عن تتبع خطوات الشيطان الآثمة لأنها تجىء على مقربة من الحلال .
وكذلك من تتبع خطوات الشيطان أن يحرم المباح على نفسه كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ . . .
( 87 ) [ المائدة ] ولقد أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح وجعل يأكل فاعتزل رجل من القوم ، فقال ابن مسعود : ناولوا صاحبكم فقال : لا أريد . فقال : أصائم أنت ؟ قال : لا . قال : فما شأنك ؟ قال : حرمت أن آكل ضرعا أبدا فقال ابن مسعود : « هذا من خطوات الشيطان » « 2 » ، وكذلك كل تحريم للطيبات هو من خطوات الشيطان ، فكان النهى عن اتباع الخطوات مقترنا بإباحة ما أحل الله تعالى ؛ لأنه مخالفة لما قرره الشرع .
ولقد ذكر الله تعالى أن الشيطان لا يكون منه خير قط ، بل سوء وفحشاء ، وما لا يكون فطريا ، فقال تعالى معللا النهى عن اتباع خطواته :
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
.
الأمر هنا من الشيطان هو الغواية القوية ، كما قال مخاطبا ربه :
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
( 83 ) [ ص ] . ولما كان أهل الغواية يطيعونه شبه بالأمر فعبر عنه بالأمر ، والسوء : هو ما يسوء وتكون عاقبته السوأى ، سواء أكانت السوأى في النفس ، فتسوء الأنفس ، أم كانت الإساءة للمجتمع ، فالسوء هو ما يكون فيه فساد وهو ضد المصلحة التي يأمر بها الله تعالى ، وإذا كان إغواء الشيطان بما يسوء خاصة وعامة بلا ريب يكون مقتا للنفس وللجماعة وللأخلاق أن تتبع خطواته ؛ لأنها إلى ضرر لا محالة .
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ أخرجه البخاري : كتاب الإيمان ( 50 ) ومسلم : كتاب المساقاة . ( 2996 ) عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه .
( 2 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ( 15339 ) ج 11 ص 259 .