تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
أولهما - أن كتمان العلم فيه فساد في الأرض ؛ لأنه يجعل الناس في متاهة من الباطل فتنقلب الأوضاع ، ويختلط الحق بالباطل ، ولا يعرف الناس سبيلا للهداية ، وتسد مسالك الخير ؛ إذ لا هادي إلا أن يرحم الله عباده بها ، ويرشدهم إليها . ثانيهما - أن بيان الخير والحق هو الإصلاح في هذا الوجود فلا سلامة يسكت فيها الحق ، وينطق فيها الباطل ، وقد لعن بنو إسرائيل لسكوتهم عن البيان في وقت الحاجة إليه ، وقد قال تعالى :
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
( 79 ) [ المائدة ] وكما قالت الحكمة : السكوت عن الحق نطق بالباطل ، والساكت عن الحق ناطق بالباطل . وقد جزى الله تعالى التائبين العاملين المؤكدين لتوبتهم بالبيان للحق والإصلاح بأنه يقبل توبتهم ، فقال تعالت كلماته :
فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
. هنا التفات من الإخبار إلى التكلم ، فالله تعالى أخبر عنهم في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ
إلى آخر الآية ، ثم التفت من الإخبار إلى التكلم عند الجزاء ، وكذلك الأمر في أكثر البيان يكون ذكر المعاصي والتوبة منها بالإخبار أو الخطاب ؛ ويكون الجزاء من الله تعالى بضمير المتكلم تربية للمهابة ، والإشراق في النفس ، والإشعار بالرضا ، وإن قبول التوبة أحب إلى العاصي التائب من كل ما في الوجود ، وهو رفع له من ذلة الذنب وخسته إلى رفعة الحق وعزته ؛ ولذا قال عزّ من قائل :
فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ
الإشارة إلى الموصوفين بالتوبة الذين بينوا ما كتموا وأقاموا الإصلاح مكان الإفساد ، وكما قلنا وكررنا الإشارة إلى الموصوف بيان أن العلة هي الوصف ، فقبول التوبة سببه التوبة النصوح ، والعمل على نقيض المعصية وما ترتب عليها ، و « أتوب عليهم » معناها أرجع عليهم