قربوا أو بعدوا ، ولمن يجهله ، فإنه كما قال علي كرم الله وجهه : لا يسأل الجهلاء لم لم يتعلموا ، حتى يسأل العلماء لم لم يعلّموا .
وقد حكم الله تعالى على الذين يكتمون العلم بقوله تعالت كلماته :
أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
اللعن الإبعاد والطرد ، والنبذ من جماعة الخير ، وجماعة الحق ، وأولئك إشارة إلى الذين يكتمون العلم ، والإشارة إلى موصوف بوصف ، إشارة إلى أن الوصف علة الحكم ، فكتمان العلم علة للإبعاد عن رحمة الله تعالى ، ونبذه من الناس ، ولعن الوجود كله ، واللاعنون تشمل الملائكة والجن والإنس ، وكل من يسبح بحمد الله تعالى .
ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن العالم يستغفر له كل شئ حتى الحوت في الماء والطير في الهواء » « 1 » وهذا إذا بين العلم وذكره للناس وهدى من ليس عنده علم ، فإذا كتمه لعنه كل شيء لعنته الملائكة ، ولعنه الناس ، ولعنه كل شئ حتى الحوت في الماء والطير في الهواء ، فاللعن عند الكتمان جزاء ، هو نظير الاستغفار عند البيان .
وقد استثنى من هؤلاء الملعونين الذين يبينون من بعد الكتمان ، فقال تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا
التوبة هي الإقلاع عن الذنب ، والشعور بالندم ، والعزم المؤكد على ألا يعود إليه من بعد ، وإذا كان الذنب بالترك عمل ، وإذا كان الذنب بالعمل ترك ، فذنب الكاتمين كان بترك البيان والتبليغ فتكون التوبة بالبيان والتبليغ ؛ ولذلك قال تعالى « وبينوا » أي أكدوا بفعل نقيض ما ارتكبوا .
وقوله « وأصلحوا » ، أي تركوا الإفساد واتجهوا إلى الإصلاح ، وعمارة الوجود ، ونشر الخير بين الناس وإرشادهم إلى أقوم السبل في هذه الحياة ، وفي ذلك إشارة إلى أمرين جليلين :
هامش
( 1 ) روى الترمذي : كتاب العلم - باب فضل العلم ( 2606 ) ، عن أبي الدرداء قال : فإنّى سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من سلك طريقا يبتغى فيه علما سلك اللّه به طريقا إلى الجنّة ، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم ، وإنّ العالم ليستغفر له من في السّماوات ومن في الأرض حتّى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إنّ العلماء ورثة الأنبياء إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما إنّما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر » . كما رواه ابن ماجة في المقدمة ( 219 ) ، وأبو داود : العلم ( 3157 ) ، وأحمد في مسنده في مسنده ( 20723 ) وغيرهم .