تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
ومن يعمل بالمعصية ، فيجزيه بالسوء سوءا ، فهو إشعار للطائع بأنه يعمل تحت رعاية الله تعالى ، تحت سمعه وبصره ، وهو القائم بكل ما في الوجود ، وهو القادر على مكافأة كل بما يعمل إن خيرا فخير وإن شرا فشر . وإن الله تعالى من أول قوله تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ . . .
( 40 ) [ البقرة ] كان كلامه في بني إسرائيل ، وكفرهم بنعم الله تعالى ومخالفتهم لشرائع النبيين الجامعة لرسائل الله تعالى إلى خلقه ، وما تخلل ذلك من استقبال القبلة كان ردا على سفاهتهم وغيهم ، ثم ما كان يومئ إليه تحويل القبلة من إيذان بفتح مكة ، وأن ذلك يحتاج إلى جهاد ، فبين سبحانه أن عدة الجهاد الصبر والصلاة ، وجاء ذكر الصفا والمروة تبعا لذكر الكعبة وما حولها . ويختم الله تعالى الكلام في أهل الكتاب ببيان أقبح ما كانوا يعملون ، وهو كتمان آياته ، ويكتبون بدلها بأيديهم ما يسمونه كتاب الله على أنه من عنده سبحانه ، وما هو من عنده فقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى
، البينات الأخبار البينة ، والأحكام المبينة في الكتاب بعد بيانها ، وقد أنزلها الله تعالى في كتبه التي كانت للنبيين السابقين ، والهدى هو ما بينه سبحانه من أوامر ومنهيات ، فمن كتم البينات الدالة على الرسالات ، والأخبار الصادقة عن النبيين ، والأحكام الهادية إلى الصراط ، فقد كتم علم الله ، والكتمان للعلم ، إنما يكون حيث تكون الحاجة إلى البيان من قبل أن يكون المقام مقام بيان وتوجيه وإرشاد ، فيكون ممن عنده علم كما أنكر اليهود والنصارى ما عندهم من علم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ومكة وما حولها ، وإبراهيم وأولاده ، وكما ينكر العلم من يسأل عنه فلا يجيب ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار » « 1 » . والآية موضوعها كل كتمان لعلم أو هداية ، وقالوا إنها نزلت في اليهود ، ولكن حكمها عام يشمل كل كتمان لعلم فيه هداية للناس ، فيشمل الذين يعلمون رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يبلغونها للناس ، ومن لا يبينون الشرع الإسلامي لأهله ،
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده عن أبي هريرة ( 8284 ) ، وأبو داود : كتاب العلم ( 3273 ) ، وابن ماجة ( 262 ) . وله طريق أخرى من رواية أنس بن مالك - رضي الله عنه .
زهرة التفاسير — صفحة 479 | محمد أبو زهرة