صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن كان النص في هذه الآية ،
فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
ونتكلم هنا في ثلاثة أمور :
أولها : إن نفى الجناح - والجناح هو الميل إلى الإثم - يقتضى نفى الإثم لا الوجوب ؛ لأن نفي الإثم يؤدى إلى معنى الجواز لا الوجوب ، أو الطلب فرضا أو سنة ، فمن أين جاء الطلب ؟ نقول إن الطلب جاء من كلمة « شعائر » أولا ، وقد بينا ذلك ، ومن بيان النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن بين أن السعي كتب علينا ، ومن مداومته صلى اللّه عليه وسلم على السعي في عمرته وحجه ؛ ولذلك قال مالك وأحمد والشافعي : إن السعي فرض ، وقال أبو حنيفة : واجب وهو مرتبة بين السنة المؤكدة والفرض ، ويعرفونه بأنه ما ثبت طلبه الحتمي اللازم بدليل ظني فيه شبهة .
الثاني : لما ذا عبر سبحانه بنفي الجناح ، ولم يعبر بالطلب ولا شك أنه كان ثمة موجب لنفى الإثم ، وجعله أساس القول ، ولقد قيل في هذا كلام فرددته بعض كتب التفسير قالوا : إنه كان على الصفا صنم اسمه إساف ، وعلى المروة صنم اسمه نائلة ، وقد تحرج بعض المسلمين من السعي بينهما لمكان هذين الصنمين اللذين كان أهل الجاهلية يعبدونهما ، ولأن الوحدانية طردت الوثنية من القلوب ، فنفى الله تعالى الإثم لهذا ، ولا يمنع نفى الإثم من الوجوب أو الطلب بشكل عام ، وقيل إن بعض الأنصار لم يجدوا النص على السعي في القرآن فتحرجوا من أن يفعلوا ما كان يفعله الجاهليون من غير نص ، فبين أنه لا إثم ، ودل على الطلب بالنص الذي صدر به القول فيهما وبعمل النبي صلى اللّه عليه وسلم وقوله .
الأمر الثالث : قوله تعالى :
أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
أصل يطوف يتطوف قلبت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء قوله تعالى :
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
( 29 ) [ الحج ] والتطوف المبالغة في الطواف بأن يعددوه ، ولا يكتفوا بواحدة ، ولكن الصفا والمروة لا يطوف حولهما ولكن يسعى بينهما ، والمشابهة بينهما ليست بعيدة ؛ لأن السعي سير على الأرض بينهما وتكرار ذلك سبع مرات ، فكان كالطواف في الأرض