إن ذكر الله تعالى هو الخير كله ، روى ابن ماجة أن أعرابيا قال : يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علىّ فأنبئنى منها بشيء أتشبث به قال : « لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عزّ وجل » « 1 » .
وإن أعلى درجات الذكر شكر الله تعالى ؛ ولذا قال تعالى بعد الأمر بالذكر :
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
وهنا نجد الشكر تعدى باللام وقد قال الفراء : إن ذلك هو الأفصح ، ولكن يجوز اشكر لي واشكرنى .
وشكر العبد لله تعالى ؛ الثناء عليه ، وأن تكون نعمه لما خلقت له من طاعة ، خلق له السمع فشكره لنعمته ألا يسمع زور القول ولا ينفذه ، وشكر نعمة اللسان ألا ينطق إلا بالحق ، وشكر نعمة اليد ألا يبطش إلا لتحقيق العدل ، وألا يعمل إلا ما هو حق وألا يعتدى على حق غيره ، وألا يؤذى ، وأن يحمى الضعيف وينصر المظلوم ، ويغيث المستغيث ، ويدفع الكوارث عن المؤمنين ، وأن يفك العاني . .
وشكر نعمة الرّجل ألا يسعى إلا في خير ، وألا يسعى في ظلم ، وأن يذكر دائما أن من سعى مع ظالم فقد ظلم .
وإن شكر نعم الله تعالى ليرجو به الشاكر زيادتها ، ولقد قال تعالى :
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
( 7 ) [ إبراهيم ] .
وإذا كان الله تعالى قد أمر بالشكر ، وهو الطاعات ، والأخذ بالهدى المحمدي ، فقد نهى عن الكفر فقال :
وَلا تَكْفُرُونِ
والنهى عن الكفر معطوف على قوله تعالى :
وَاشْكُرُوا لِي
يجعلنا نتصور أن تكفرون فيها ياء المتكلم محذوفة أو بالياء كما في قوله تعالى :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ . . .
( 44 ) [ المائدة ] ويكون معنى كفر الله تعالى عدم ذكره ، وعدم معرفة حقيقة نعمه ، ولكن الظاهر أن المراد النهى عن الكفر المطلق ، وهو ألا يعتقد بالوحدانية وألا يؤمن برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو مقابل للشكر لأن حقيقة الشكر ابتداء هي القيام بالطاعات كلها ، وهو مع ذكر الله تعالى الإحساس بأنه كله لله تعالى . وفقنا الله تعالى للشكر وجنبنا الكفر .
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة : الأدب - فضل الذكر ( 3793 ) عن عبد الله بن بسر ، وبنحوه عند الترمذي : الدعوات - فضل الذكر ( 3375 ) وأحمد : مسند الشاميين - حديث عبد اللّه بن يسر ( 17245 ) .