تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
وقمع الأهواء والشهوات والاتجاه إلى الله تعالى ؛ ولذا ابتدأ به فقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
استعينوا في أموركم ، وفي استجابة أوامر ربكم والأخذ بأحكام دينكم وإعداد العدة للقاء عدوكم ، فمجاهدة النفس مقدمة على جهاد العدو ، بل هي عدته وقوته . والصبر ضبط النفس والاستيلاء عليها ، وهو يتنوع بتنوع موضوعه ، فهناك صبر على منازعة الأهواء والشهوات لتعميمها والاستيلاء عليها بجعل الشهوة أمة للعقل ليست مسيطرة عليه ، ولا مسيرة للنفس ، وهناك صبر لأداء الطاعات والقيام بالواجبات فإن ذلك يحتاج إلى عزم قوى لا يكل ولا يمل ، وهناك صبر على لغو القول من الناس ، واستهزاء السفهاء ، وتهكم ذوى الأهواء ، وهناك صبر بالإقامة مع الضعفاء وقد قال الله تعالى فيه :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ . . .
( 28 ) [ الكهف ] . وهناك صبر عند المصائب في الدنيا فلا يفزع ولا يجزع ويعلم أن الصبر فيه أجر وأن الجزع فيه وزر ، وهناك صبر عند لقاء الأعداء ولعله نتيجة لصفة الصبر وتشعبها في كل النواحي التي ذكرناها . والصبر خير كله ، وهو أول صفات المؤمنين ، ومن الصبر ألا يكفر عند النعمة وألا ييئس عند النقمة ، ولقد قال تعالى :
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( 10 ) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
( 11 ) [ هود ] . ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه مسلم بسنده عن صهيب ، قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له » « 1 » فالصبر كله خير ، وهو عدة الإيمان والأخلاق ، وبناء المجتمع الصالح ، وهو أقوى عدة للجهاد .
هامش
( 1 ) رواه مسلم : كتاب الزهد والرقائق ( 5318 ) ، وبنحوه رواه أحمد والدارمي .