تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
هذا أمر الصبر . والاستعانة به مناجاة العبد لربه ، وصرف القلب إليه ، والاتجاه إليه ، وهي التي تملأ القلب بذكر الله تعالى فينسى ما بينه وبين الناس ، وهي استحضار العزة من الله ، وامتلاء الإنسان بجبروت الله ، وأنه فوق قوى البشر ، والاستعانة هي سلوك المؤمن ، روى « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى » « 1 » . ولقد أمر الله تعالى نبيه بالصبر والصلاة إذا اشتدت عليه شديدة الناس بالقول والعمل ، فقال تعالت كلماته :
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى
( 130 ) [ طه ] فعبر عن الصلاة هنا بالتسبيح فسبيل الرضا بالنوازل والشدائد من الناس - كما تدل الآية - الصبر على ما يقولون ، والصلاة إذ هي اطمئنان القلوب ، وسرور النفوس وبها تستبدل النعمة بالنقمة ، والسراء بالضراء . وختم الله تعالى الآية بقوله :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
بمعاونته لهم ، فينصرهم ، بسيطرتهم على نفوسهم ، ثم ينصرهم على أعدائهم ، ثم يغلبهم على كل شر في الحياة ، ثم تقوية عزمهم ، وضبطهم لنفوسهم ، فالله معهم في كل أعمالهم ، وهو وليهم ونعم المولى ونعم النصير . هذا ما يعدّ الله به تعالى نفوس المجتهدين ، صبر وذكر لله تعالى ، وإنه من بعد ذلك يكون القتال ، ويكون الشهداء ، وفي ذلك إشارة إلى أنه ليس القتال شهوة ، ولا نزهة ، ولكنه فداء وبلاء ، واستشهاد ، وإن الشهداء لا يموتون ولكنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، والحياة ليست للأشباح فقط ، بل هي للأرواح ، ولذا قال تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
. النهى عن القول ، والقول دليل الاعتقاد فهو نهي عن الاعتقاد ، وقد صرح الله تعالى بالنهي عن الاعتقاد في آية أخرى في معنى هذه الآية الكريمة وفي موضوعها فقال تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
( 169 ) [ آل عمران ] وفي الآية التي نتكلم في معناها قال الله تعالى :
وَلكِنْ
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 22210 ) ، وأبو داود ( 1124 ) . عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه .