وناداهم بهذه الصيغة التي تدل على النسبة إليه تقريبا لهم من نفسه ، وفي ذلك دليل على الشفقة بهم والرفق ، وأنه يؤثرهم بما يدل على محبته وحدبه عليهم ، ومضمون الملة التي وصى بها
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ
، أي أن الله جل جلاله ، وهو ربكم الذي ذرأكم وأنعم عليكم ، اختار لكم الدين الكامل ، والدين هنا ، هو ملة إبراهيم ، فهي دين إبراهيم ودينكم ودين الخليقة من بعده ، وهو ملته ، وهو الإخلاص لله رب العالمين وإسلام الوجه له ، كما فسر الله تعالى ، من قبل بقوله تعالى :
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
.
وقد صرح سبحانه وتعالى بغاية الوصية ونهايتها كما جاءت على لسانهم ،
فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
، والفاء هي للإفصاح عن شرط مقدر ، أي إذا كانت هذه الملة هي الدين الذي اختاره لكم وهو الإسلام ، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، وقوله تعالى :
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
حال من تموتن .
وقد أكد سبحانه وتعالى الطلب بنون التوكيد الثقيلة ، وليس النهى متجها إلى الموت ؛ لأن الموت ليس أمرا اختياريا يجرى فيه التكليف بالأمر ، وإنما الأمر منصب على البقاء على الإسلام ، أي لا بد أن تبقوا على الإسلام مؤكدا ذلك حتى تموتوا وأنتم على حاله وقيامه ، كما تقول : لا تصل إلا وأنت خاشع فهو أمر بالخشوع وليس نهيا عن الصلاة .
وقوله تعالى :
يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ
أهي وصية إبراهيم وحفيده يعقوب معا ؟ الظاهر ذلك ، وقال بعضهم : إنها وصية إبراهيم وأمها وصية يعقوب فقد أشير إليها في قوله تعالى من بعد :
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
( 133 ) [ البقرة ] .
وأرى أن قوله تعالى :
يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ
وصيتهما معا ، ولما جادل اليهود في ذلك قال تعالى مفندا كلامهم ، مبينا حقيقة الأمر
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ
إلى آخر الآية ، وعلى هذا التخريج فالوصية واحدة ، اللهم إنا أسلمنا وجهنا لك كما أسلم إبراهيم وجهه لرب العالمين .