ومعنى اصطفاه الله تعالى ، أي اختاره بعد أن ابتلاه بما صفى نفسه وخلصها لله تعالى ، وصار ليس في قلبه موضع لغيره فاختاره من بين خلقه خليلا له ، وكان أمة وإماما ، وكان أواها حليما رجاعا إلى الله تعالى دائما .
وأكد سبحانه وتعالى أنه في الآخرة لمن الصالحين ، ففي الدنيا اصطفاه ، فكان معه فيها على الخير المطلق ، وقد ابتلى فأحسن البلاء ، وكان صفيا وكان وليا ، واختص بأن يكون خليلا .
وقد وصف سبحانه وتعالى حاله في الآخرة مؤكدا فقال :
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
وقد قال بعض الناس : إن العمل الصالح في الدنيا وإن جزاءه في الآخرة فالآخرة دار جزاء لا دار عمل ، فكيف يقال في الآخرة إنه من الصالحين ؟ !
ونقول في الجواب عن ذلك إن ما ذكره الله تعالى عن حاله في الآخرة أنه سجل له الوصف بأنه من الصالحين فقد سجل عليه سبحانه وصف الصلاح ، والمعنى أنه ختم أعماله في الدنيا بالخير ، وصار في زمرة من كتب الله لهم الصلاح في الآخرة ، ففي الآخرة جعله تعالى في جملة من رضى عنهم ووسمهم بالصلاح فكافأهم برضوانه تعالى وهو أكبر الجزاء ، فليس في الآخرة عمل ، وإنما في الآخرة تسجيل الصلاح ، والجزاء عليه ، وأنه يكون الصالح الذي جعل له لسان صدق في الآخرين .
وقد أكد سبحانه وتعالى أنه في زمرة الصالحين الذين نالوا رضوان الله بقوله :
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
فأكد بأن الدالة على توكيد الخبر ، وأكد ب « اللام » في قوله لمن الصالحين ، وأكده بتقديم في الآخرة ، وذلك التأكيد لأنه من الذين وصلوا إلى أعلى درجات الصلاح .
وإن عده من الصالحين يوم القيامة ، إنما كان لأنه أخلص وأسلم وجهه لله رب العالمين مستجيبا طلب الله تعالى منه ، إذ طلب ربه منه أن يكون كله له وحده ؛ ولذا قال تعالى :
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
الإسلام هنا هو الإخلاص والإذعان لله تعالى ، وهو كالإسلام في قوله تعالى :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ