الضراعة له سبحانه ، فتكرار الربوبية شعور بذكر الله تعالى دائما ، وبذكر نعمه ، وأنه كالئ هذا الوجود كله .
وَاجْعَلْنا
جعل هنا بمعنى صيّر ، وكوّن ؛ أي اجعل في كوننا ووجودنا أن نكون مسلمين لك ، أي مخلصين لك ولوجهك الكريم ، والإسلام هنا بمعنى الإخلاص والاستسلام ، وأن يكونا لله وحده ، مثل قوله تعالى :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 112 ) [ البقرة ] وإن الإيمان والإسلام هنا بمعنى واحد ، بل إن الإسلام في هذا المقام درجة عالية بعد الإيمان ، فالإيمان تصديق وإذعان والإسلام هنا تصديق وإذعان ، وإسلام النفس والعقل والجوارح كلها لله تعالى ، فهو أعلى درجات الإيمان .
وإنهما لم يدعوا لأنفسهما فقط ، بل دعوا أيضا لذريتهما ، فقالا في دعائهما الضارع المخلص ،
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
أي : واجعل في ذريتنا أمة مسلمة لك .
و « من » هنا للتبعيض ، والمعنى اجعل بعض ذريتنا أمة مسلمة ، أي مؤمنة مصدقة مذعنة مسلمة وجهها لك ، بحيث تكون كلها لك .
وقالوا : إن الدعاء لبعض الأمة اتعاظا بقول الله تعالى له :
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
( 124 ) [ البقرة ] ونحن نرى أن « من » بيانية ؛ لأن الدعاء لله تعالى يكون بأعلى ما يطلب لا بأدناه ، والمعنى اجعل من ذريتنا أمة مسلمة ، أي اجعل ذريتنا أمة مسلمة لك ، والمقام مختلف عن دعاء الإمامة ؛ لأن الإمامة لا تكون للجميع ، إنما تكون للبعض المختار منها ، الذي يصلح أن يكون قدوة تتبع .
والأمة هنا الجماعة التي تجتمع على فكرة ثابتة قائمة .
هذا دعاء إبراهيم - عليه السلام - لذريته ، وهو دعاء أب شفيق مخلص يرتاد لذريته أكمل المناهج ، وأتم الإخلاص والضراعة ولقد دعا عليه السلام هو وابنه المخلص المطيع قالا :
وَأَرِنا مَناسِكَنا
أي اجعلنا نبصر ونعلم مناسكنا ، والمناسك