وإن هذا العمل من الخليل إبراهيم ، وابنه الذبيح المفدّى ، يدل على أن أي عمل يمكن أن يكون عبادة إذا كان لله تعالى . . نعم إن ذلك العمل كان استجابة لأمر الله ، فهو أجل من أي عمل ، ولكن ذلك لا يمنع أن أي عمل فيه أداء فرض كفاية يكون بأمر الله ما دام مطلوبا لصالح الجماعة ، وإذا اقترنت به نية القربى كان عبادة ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب العمل لا يحبه إلا لله » « 1 » .
أقام إبراهيم خليل الله مع ابنه المطيع لأبيه وربه البناء ، ودارا حول جدرانه يتممانها ، وهما يحفانه بدعائهما
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا
، وقد أحسا بالاستجابة ، لكمال الضراعة ، وخاطبا ربهما في إحساس بالقرب منه قائلين :
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
وقد أكدا أن علمه تعالى علم من يسمع من غير أذن ، وعلم من يعلم علم إحاطة لا يخفى عليه شئ ؛ أكداه أولا بالجملة الاسمية ، وأكداه بأن ، وأكداه بالتأكيد اللفظي بتكرار « أنت » وأكداه بتعريف الطرفين ، أي أنه لا سميع غيرك ، ولا عليم سواك ، وهكذا كانت ضراعة الإيمان .
أتم إبراهيم بناء الكعبة ، وكان مما اختبره الله به ، ومن الكلمات التي أتمها كما أشرنا إلى ذلك .
وقد اتجه الأواب الحليم بعد أن دعا ربه بقبول عمله ، إذ قال :
تَقَبَّلْ مِنَّا
، أي اقبله راضيا عنا ؛ لأن التقبل أبلغ من القبول ، إذ القبول المجرد أقل من التقبل برضا ، وجزاء لهذا العمل .
اتجه خليل الله تعالى إلى ربه داعيا لجماعته ، بعد دعائه لنفسه وابنه ، فقال هو وابنه عليهما السلام :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
.
الواو في قوله تعالى
وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
، عاطفة على قوله تعالى :
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا
وكرر بين المعطوفين كلمة ( ربنا ) للشعور بكمال ربوبية الله تعالى ، وبكمال
هامش
( 1 ) يشهد له من الصحيح الكثير ، ومنه ما رواه أبو داود في سننه عن أبي أمامة ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنّه قال :
« من أحبّ للّه ، وأبغض للّه ، وأعطى للّه ، ومنع للّه ، فقد استكمل الإيمان » . [ كتاب السنة : باب زيادة الإيمان : 4061 ] .