تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
ويتضرعان إلى الله تعالى في كل حجر يضعانه ، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . والقواعد جمع قاعدة ، وهي الأساس لما فوقها ، وكل حجر يوضع هو قاعدة لما فوقه ، والحجر الثاني قاعدة للثالث ؛ ولذا قال تعالى :
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
وعبر سبحانه عن وضع القواعد بعضها فوق بعض ب « يرفع » ؛ لأن البناء هو الغاية من الوضع ، فعبر سبحانه وتعالى عن الفعل بغايته ونهايته . وإن إبراهيم الخليل وولده الطاهر الذبيح المحتسب ، لا يبنيان لذات البناء ولا لغرض دنيوي ولا للمأوى والسكن ، بل استجابة لأمر الله تعالى ، بأمره ، ويتضرعان بالبناء ، طالبين قبوله . ولقد ذكرنا أن البناء كان بأمر الله ، روى البخاري وجاء مثله في مصنف عبد الرزاق أن إبراهيم عليه السلام كان يزور ولده - الذي تركه في البيداء - الوقت بعد الآخر ، فجاءه وقد صار فتى سويا وتزوج فوجده يصلح النبل ، فقال : يا إسماعيل إن ربي عزّ وجل أمرني أن أبنى له بيتا ، فقال الابن البار المطيع : أطع ربك عزّ وجل ، قال : إنه قد أمرني أن تعينني عليه ، فقال الشاب القوى : إذن أفعل ، فقام فجعل إبراهيم يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة ، ويقولان :
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة فقام على حجر المقام فجعل يناوله الحجارة ، ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم « 1 » . والدعاء على ما بينه الحديث كان محفوفا بالعمل فهما يعملان بأيديهم ، ويحملان على عاتقهما ، وقلوبهما ضارعة بالدعاء وألسنتهما لاهجة بالثناء على الله تعالى ، والتقرب إليه ، وقد قيل إن إبراهيم الخليل كان يبنى وإسماعيل كان يدعو ، وذلك يخالف النص في القرآن ويخالف الحديث ويخالف منطق العبادة ، فإنه لا تكون عبادة أحدهما بالدعاء مغنية عن عبادة الآخر .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه قريبا .
زهرة التفاسير — صفحة 404 | محمد أبو زهرة