المرتبة الأولى : وهي أدناها الإقلاع عن الذنوب بالندم على ارتكابها والابتعاد عنها ، واعتزام ألا تقع من بعد ذلك وهذه تكون للعصاة الذين ارتكبوا كبائر أو أصروا على صغائر ، وقد دعاهم الله تعالى إلى أن ينيبوا إلى ربهم فقال تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً . . .
( 53 ) [ الزمر ] .
المرتبة الثانية : وهي متوسطة بين أعلاها وأدناها ، وهي الاستغفار عما يكون من خطأ أو نسيان ، أو هفوات إنسانية فقط مما يؤاخذ عليه الأبرار الأطهار ، وهو الذي ينطبق عليه قول بعضهم : حسنات الأبرار سيئات المقربين .
المرتبة الثالثة : وهي الإحساس بالقصور في حق الله تعالى لفرط إيمانهم ، وقربهم من الله ، وهذه توبة الأطهار من النبيين والرسل ، فهذه توبة إبراهيم .
والتوبة كيفما كانت رتبتها عبادة ، وأهل الله يقولون : رب معصية أورثت ذلا خير من طاعة أورثت دلا ، فالطاعة من الأنبياء لا تورث دلا ، بل نفوسهم لقربهم من الله تحس بالذل له ، فيتوبون ، ثم يتوبون .
وإن نبي الله وخليله وابنه لا يكتفيان بالدعوة لذريتهما ولأنفسهما بالتوبة ، بل يطلبان هاديا مرشدا لهم من بعدهما ؛ ولذلك يقولان في دعواتهما :
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
الواو عاطفة عطفت « ابعث » على « واجعل » ، واعترضت كلمة ربنا لكمال الضراعة والشعور بنعمة الربوبية ، والرسول هو المرسل من قبل الله تعالى ، وبعثه تكليفه بالقيام برسالة ربه ، وتبليغها ، و « فيهم » أي في وسطهم على أنه منهم ، ليكون بهم أرحم وعليهم أعطف ، ولهم آلف ، كما قال تعالى :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 128 ) [ التوبة ] وواضح أن الرسول الذي دعا إبراهيم وإسماعيل ببعثته هو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد روى أنه قال إجابة لنفر من الصحابة قالوا : يا رسول الله عرفنا بنفسك ، فقال : « نعم ، أنا دعوة إبراهيم ، وبشرى عيسى » فإبراهيم عليه السلام دعا ، ببعثه وعيسى بشر به كما قال تعالى :
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ