الملكوت . . ثم ثلث بكتبه التي أنزلها هداية للناس ورحمة ، وشفاء لأدواء الجماعات ، ونسبها سبحانه وتعالى إليه إشعارا لهم بأن عداوة هذه الكتب عداوة لله تعالى لأنها هجر لكلامه ، ورد لرسالته ، وأي ذنب أقبح من عداوة رسالات الله تعالى التي شرفت بإرساله واحتوت على البينات والحكم الباهرة ، ثم بين بعد ذلك عداوتهم لرسله الأكرمين ، وأنها عداوة لمن أرسلهم ، فمن عادى الرسول فقد عادى من أرسله مبشرا ونذيرا ، وداعيا إليه وسراجا منيرا .
وذكر سبحانه وتعالى عداوة جبريل وميكائيل وخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في عموم الملائكة ؛ لأن الله تعالى خصهما بالشرف والتفضيل على غيرهما من الملائكة وهو يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم ، ولأن جبريل كان روح القدس الأمين الذي نزلت عن طريقه الرسالات الإلهية على من أرسلهم مبشرين ومنذرين ، وأن اليهود حكى عنهم أنهم كانوا يفاضلون بين هذين الملكين الكبيرين ، فيعادون جبريل ، لأنه ينزل بالقرآن ويوالون ميكائيل ؛ لأنه يأتي بالرحمة والغيث ، فأشار سبحانه إلى أن عداوة أحدهما عداوة له ، ومن عادى جبريل لأنه مكلف بالقيام بأمر من الله تعالى فقد عادى الآخر ؛ لأنه قائم بمثل ما قام به .
هذا هو فعل الشرط الذي يتضمن عداوة الله وملائكته وكتبه ورسله ، وجبريل وميكائيل ، وجواب الشرط هو قوله تعالى :
فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ
فجزاء هذه العداوة الظالمة ، كراهية عادلة ، ويتبعها العقاب الشديد ، وهنا إشارتان بيانيتان :
إحداهما - في تقدم الكتب على الرسل ، والسياق يسوغ تقديم الرسل على الكتب ؛ لأنهم الذين جاءوا بها ، ونزلت عليهم ، فلم قدمت الكتب ؟ والجواب عن ذلك أنها موضوع الرسالة ولبها ، وهي المشتملة على أمر الله تعالى ونهيه وهي خطاب الله تعالى إلى عباده ، فقدمت كما يقدم الكتاب الذي تكتبه على الرسول الذي تحمله الكتاب .
الثانية - أن الله تعالى أظهر في موضع الإضمار فقال : فإن الله عدو للكافرين ، ولم يقل لهم ، وذلك لبيان أنهم بهذه العداوة قد كفروا وجزاء الكفر