تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
إلا المتمرد على الفطرة وعلى كل ما يتقاضاه العقل المدرك ، واللام في
الْفاسِقُونَ
للجنس ، وليس المراد بها قوما معهودين ، وإن كان أشد من ينطبق عليه الأمثال اليهود الذين كفروا بها . وإن اليهود إذا كانوا فسقوا ، وكفروا بالقرآن الكريم معجزة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فهم قد نقضوا العهد الذي عاهدوا الله تعالى عليه في الميثاق الذي أخذ عليهم ، وناقضوا أنفسهم ، إذ كانوا يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به . فإذا كانوا قد كفروا بالكتاب الذي جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقد نقضوا عهدا أخذ عليهم مرارا ، نقضوا الميثاق الذي أوجب تعالى عليهم أن يؤمنوا برسله ، ونقضوا العهد الذي أخذوه على أنفسهم إذ كانوا يستفتحون على الذين كفروا ، ولما عقد النبي صلى اللّه عليه وسلم الميثاق بينهم وبينه عندما هاجر نقضوه جميعا ؛ فنقضه بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير وأوى الناقضون إلى خيبر ، وشنوها حربا مشبوبة على المؤمنين « 1 » . وقد بين الله تعالى أن ذلك شأنهم ، فقال :
أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
الهمزة للاستفهام الإنكارى الإنكار الواقع ، وهو ما يقع منهم من نقض العهد ، ونبذ للمواثيق ، والواو عاطفة وهي مؤخرة عن تقديم ؛ لأن الاستفهام له الصدارة دائما ، والمعنى أنكروا الكتاب والنبي الذي عرفوه كما يعرفون أبناءهم ونقضوا الميثاق ، وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم إلى آخر الآية ، وتأخير العاطف عن الاستفهام كثير في القرآن من مثل قوله تعالى :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
( 50 ) [ المائدة ] وقوله تعالى :
أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
( 51 ) [ يونس ] وهكذا مثل ذلك كثير في القرآن المبين .
هامش
( 1 ) عن ابن عمر رضى اللّه عنهما قال : حاربت النّضير وقريظة ، فأجلى بنى النّضير وأقرّ قريظة ومنّ عليهم ، حتّى حاربت قريظة ، فقتل رجالهم ، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين ، إلا بعضهم لحقوا بالنّبىّ صلى اللّه عليه وسلم فآمنهم وأسلموا ، وأجلى يهود المدينة كلّهم بنى قينقاع ، وهم رهط عبد اللّه بن سلام ويهود بنى حارثة ، وكلّ يهود المدينة . [ أخرجه البخاري : كتاب المغازي ( 3724 ) ، ومسلم : الجهاد والسير ( 3312 ) ] .
زهرة التفاسير — صفحة 333 | محمد أبو زهرة