تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
ولذلك كانوا أحرص على حياة ، والمشركون يحرصون على حياة عزيزة كريمة ، وإن كانوا لا يؤمنون ببعث ولا نشور ، ولا حساب ولا عقاب ، ويصور الله سبحانه وتعالى حرصهم على الحياة بقوله تعالت كلماته :
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
يود هنا بمعنى : يتمنى أحدهم ، أي أحد اليهود ، لو يعمر ألف سنة ، ولو هنا مصدرية وهي التي تجىء بعد التمني كقوله تعالى :
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
( 9 ) [ القلم ] فهنا « لو » مع الفعل بعدها مصدر غير أنها لا تنصب ( مثل أن ) . وذكر ألف عام لأنه أكبر عدد في زعمهم . . طلب أعرابي عطاء من حاكم من حكام بنى أمية ، فأعطاه ألفا ، فقال له قائل : لو طلبت أكثر من ألف لأعطاك ، فقال : لو كنت أعلم أن فوق الألف عددا لطلبته ، فالألف كناية عن أكبر عدد . ومع أنهم يودون الحياة إلى أقصى أمد ، ألفا أو أكثر ، فإن العذاب ملاقيهم ،
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ . . .
( 8 ) [ الجمعة ] بالعذاب الذي يستقبلكم ؛ ولذا قال تعالى :
وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ
الزحزحة الإبعاد أو الإزالة ، وهي تدل على المعاناة في الإبعاد والإخراج من المكان الذي حل فيه كقوله تعالى :
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ . . .
( 185 ) [ آل عمران ] . و « ما » في قوله :
وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ
النافية ، والباء دالة على استغراق النفي ، وهي زائدة في الإعراب لها دلالة في المعنى ، والضمير « هو » يعود على الأحد الذي يود أن لو يعمر ألف عام أو أكبر عدد ممكن ، والمعنى على هذا التخريج : وما هو ؛ أي هذا الشخص بمبعده ولو بمعاناة ومعالجة عن العذاب تعميره ، فالمصدر المكون من
أَنْ يُعَمَّرَ
فاعل لمزحزحه ، وقد أكد سبحانه وتعالى النفي بإعادة الضمير لتأكيد النفي ، وبالباء ، وبكلمة مزحزح . وما ذلك النفي المؤكد لوجود العذاب مهما طال الزمن - إلا لأنه ارتكب من الخطايا ما يستحق ذلك ، والله تعالى عليم بكل شئ ولا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ؛ ولذا ختم الآية بقوله تعالى :
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
والله ذو الجلال والإكرام القادر القاهر الفاعل المختار بصير أي عالم علم من يبصر
زهرة التفاسير — صفحة 325 | محمد أبو زهرة