تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
وإنهم يعلمون ما قدموا من كفر ، وما قدمه أسلافهم ، ولم ينكروه عليهم من اتخاذ العجل ، ومن كفر بالنعم التي أنعم الله عليهم وكفروا بها . وقوله :
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
الباء للسببية ، والمراد ما قدموه هم بأنفسهم ، من كفر قلوبهم ، وجحودهم بآيات الله تعالى ، واعتدائهم في يوم السبت ، وتأييدهم لأسلافهم في ذلك ، ومن كفرهم بألا يجاب الذي جاء مصدقا لما معهم ، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا به ، ولكن لما ذا عبر بأيديهم ، دون أنفسهم ؟ ونقول : أولا - يجوز ذلك تعبيرا عن الكل باسم الجزء ، وإن ذلك الجزء أظهر الأجزاء في العمل ، فهو الذي به البطش والاعتداء ، وارتكاب المآثم الجماعية . وثانيا - فيه إشارة إلى الناحية الحسية فيهم ، فهم أيد باطشة آثمة ، وليس لهم قلوب مدركة عالمة . ولقد سجل الله تعالى عليهم الظلم ، فقال تعالى :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
وقد صدر الله سبحانه وتعالى الحكم بلفظ الجلالة تربية للمهابة ، ولبيان أنهم مأخوذون والله القادر القاهر هو الذي يأخذهم بظلمهم ، وبين عظيم علمه ، ودقة علمه ، وأنه لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ، وأظهر في موضع الإضمار فلم يقل سبحانه وتعالى عليم بهم وبما قدمت أيديهم بل قال :
عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
؛ ليسجل عليهم وصف ظلمهم ، وأنهم معاقبون بهذا الظلم الذي هو كالسجية لهم . ولقد قال الله تعالى في هذا المعنى ، وهو طلب تمنى الموت ، وامتناعهم في سورة الجمعة :
قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
( 7 ) [ الجمعة ] والفرق بين النصين ، وإن كان كلاهما في مرتبة من البيان يعجز عنه البشر ، في أمرين : الأمر الأول - أن الشرط في الآية الكريمة التي تتصدى لتعرف معناها شرط كبير ، وهو أن تكون لهم الدار الآخرة من دون الناس ، فالشرط يتضمن الخلوص لهم وقصرها ، ولن يتمنوا ذلك فكان النفي بلن ، والشرط خال من معنى زعمهم .