الثاني - أن الآية الثانية كان الشرط الزعم بأنهم من أولياء الله من دون الناس ، فكان النفي ب « لا » ، وهو دونه ؛ فكان النفي ب « لا » لا ب « لن » على مقدار الشرط ، وكذلك يصرف الله الآيات في كتابه الحكيم .
وبعد ذلك التحدي من النبي صلى اللّه عليه وسلم بأمر ربه ، كان الوصف الحقيقي لبنى إسرائيل بالنسبة للموت والحياة الآخرة ، وأنهم لا يؤمنون بالآخرة ، ولا يؤمنون بأن لهم جزاء محمودا ، وأنه يرتقبهم خير ؛ ولذا تمسكوا بالحياة الدنيا ؛ لأن العصاة يظنون أنها الحياة وحدها ، ولا يرجون خيرا لأنفسهم المادية في لقاء الله تعالى ، فقال تعالت كلماته :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
.
وقد أكد الله سبحانه وتعالى الحكم بأنهم أحرص الناس على حياة بالقسم المؤكد باللام ونون التوكيد الثقيلة ، ونكر سبحانه وتعالى « حياة » في قوله تعالى :
عَلى حَياةٍ
لتعميم معاني الحياة ، فهم يحرصون على حياة أيا كانت صورتها ، سواء كانت حياة ذل أم كانت حياة عز ، وسواء كانت حياة استعباد أم كانت حياة حرية ، وسواء أكانت تحكمها الفضيلة أم كانت تحكمها الرذيلة ، إنهم يحرصون على الحياة ذاتها من غير نظر إلى وصفها سواء أكانت مقيتة في ذاتها ، أم كانت بكرامة من غير مهانة . وإن هذا يدل على كمال الحرص .
قال تعالى :
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
أي منهم من هم أحرص على حياة أيا كانت من الناس جميعا ، ومن الذين أشركوا ، وهم الوثنيون ، وخصوا بالذكر ، لأنهم لا يؤمنون بالبعث ، وأولئك اليهود أهل كتاب ويؤمنون به في الجملة ، ولكنهم مذنبون تحيط بهم خطاياهم من كل ناحية .
وهم أحرص من المشركين على الحياة ؛ لأنهم يريدون الحياة على أية صفة عزيزة كريمة أو ذليلة ، أما المشركون من العرب فإنهم لا يريدونها إلا عزيزة لا ذلة فيها ، وشاعرهم الجاهلي يقول :
لا تسقني ماء الحياة بذلة * بل فاسقنى بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم * وجهنم بالعز أطيب منزل