وهنا إشارة بيانية يحسن التنبيه إليها :
الأولى : في كلمة
لَكُمُ
فيها اللام المفيدة للملكية أو الاختصاص ، وقد ابتدأ بها بيانا لزعمهم ، ولذلك جاء بعدها خالصة لكم من دون الناس .
الثانية : الإشارة إلى أن الدار الآخرة هي عند الله تعالى مالك يوم الدين ، وهو الذي تدعون أنكم أبناؤه وأحباؤه ومع ذلك تكفرون به وتتخذون العجل تشركون وتعبدونه .
الثالثة : الإشارة إلى أنهم ليسوا صادقين ، بل هم كاذبون ؛ ولذلك كانت أداة التعليق هي إن في قوله :
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
ولهذا نفى الله سبحانه أن يتمنوه .
تنبيه : يلاحظ أن الله تعالى أمر نبيه بأن يتولى الرد عليهم في قوله تعالى :
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً . . .
( 90 ) [ البقرة ] وقوله تعالى :
قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ . . .
( 93 ) [ البقرة ] وفي قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ
.
لم يتول الله تعالى الرد والجدل معهم وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يتولى الجدل معهم فما الحكمة في ذلك ؟ ونقول ما تصل إليه مداركنا - والله هو الحكيم العليم - إن مجادلتهم التي فيها التحدي كانت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم فناسب أن يتولى بأمر الله تعالى الرد هو عليه الصلاة والسلام ؛ ولأن مقام الله تعالى أعلى من أن ينزل لمجادلة الكافرين الظالمين لأنفسهم .
ولقد قال سبحانه وتعالى حاكما على حالهم بأنهم في ذات أنفسهم وفي مداركهم يعلمون مآثمهم ، ويعلمون كذبهم ؛ ولذلك ليست الجنة لهم ، ولذا لا يتمنون الموت ، فقال تعالى :
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
نفى الله سبحانه وتعالى عنهم ذلك التمني نفيا مؤبدا ، وأكد ذلك النفي ب « لن » الدالة على النفي المؤبد ، وبقوله سبحانه وتعالى :
أَبَداً
وبذكر السبب ألا وهو ما قدمت أيديهم ، ومعنى ذلك أنهم كاذبون في ادعاءهم أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأنهم كاذبون في قولهم :
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً . . .
( 80 ) [ البقرة ] .