وهذه الآية التي نتكلم في معناها أتت بأمر خاص باليهود الذين عاصروا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهي أنهم لفرط غرورهم يحسبون أن الله تعالى لا يعلم خفى أمرهم ، فهو نوع من النفاق أضلهم .
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا
أي صدقنا وأذعنا لكل ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم آمنا بأنه الحق من عند الله وبأن ما جئت به هو الحق .
وقد حسبوا أنهم بذلك قد نجوا من الملامة ، فحفظوا المظهر بما أظهروه ، وحفظوا كفرهم فلم يعلنوه ، ولكن إخوانهم وهم على ملتهم ، وعلى جحودهم لم يرضوا بالظهور بهذا المظهر .
فإذا خلا بعضهم إلى بعض ، فالتقى الذين أظهروا ما لم يبطنوا ، والذين لم يلقوا الرسول ، كان التلاوم فيقول الذين لم يلقوا المؤمنين
أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
، أي بما حكم الله تعالى به عليكم ، فالفتح في لغة العرب والحكم بأمر القضاء ، كما قال تعالى :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ . . .
( 89 ) [ الأعراف ] .
وما حكم الله تعالى به في هذا المقام هو بشارة التوراة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، كما قال تعالى :
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ . . .
( 6 ) [ الصف ] ، وقد أخذ العهد عليهم بأن يتبعوه ويؤمنوا به إذا جاءهم ، فالاستفهام إنكاري لإنكار فهم الوقوع فهم يوبخونهم على أنهم حدثوهم بما قضى الله تعالى عليهم بأن يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءهم ، وإنه كان يجب عليهم أن يستمروا في جحودهم ، وعللوا لوم إخوانهم بقولهم :
لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ
أي ليكون حجة عليكم عند ربكم ، يحاجونكم به ، والاعتراف حجة ظاهرة .
وإنهم بذلك يزعمون أمرين كلاهما باطل :
أولهما - أنهم يحسبون أن الله تعالى يحتاج في معرفة ما هم عليه إلى إقرارهم ، وهو عالم الغيب والشهادة ، وعالم السر والجهر ، وأنهم مأخوذون بما واثقهم عليه ، وبالحق الذي أمرهم باتباعه .