تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
وقد ذكر سبحانه وتعالى حال اليهود ، فأشار سبحانه إلى أن اليهود قسمان : أحبار أو علماء ، وأميون يضلون الآخرين بدعوى أنهم وحدهم أوتوا علم الكتاب ؛ ولأن الآخرين لا يعرفون الكتاب إلا أماني يتمنونها ، فيشبعوا أمانيهم وأهواءهم ، ولذلك قال تعالى :
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ
. الأمى هو الذي لا يقرأ ولا يكتب نسبة إلى الأمة الأمية التي لا يسودها العلم ، وكان الأحبار من أهل الكتاب يقولون :
لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ . . .
( 75 ) [ آل عمران ] ، وقد ينسب الأمى إلى الأم على اعتبار أنه على أصل ولادة أمه ، فهو لم يزد علما عما ولدته عليه أمه . وهؤلاء الأميون لا يقرءون الكتاب ، ولا يعرفون أحكامه ، وما اشتمل عليه من تكليفات اجتماعية وعبادية ، وإنهم لفرط جهلهم بالكتاب لا يعلمون إلا ما يكون فيه إرضاء لأمانيهم ، والأماني جمع أمنية ، وهي ما يتمناه القلب ويحبه ، وما يتمنونه أهواء مسيطرة عليهم كقول عامتهم وخاصتهم أنهم أبناء الله وأحباؤه ، ولقد قال تعالى :
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ . .
. ( 111 ) [ البقرة ] أي ما يتمنونه ويقول تعالى :
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
( 123 ) [ النساء ] . وفي الجملة الأماني التي يعلم الأميون من أهل الكتاب مضمون كتابهم بها هي ما يكون متفقا مع ما يتمنون ، فلا يعلمونه تكليفات وأحكاما ، فيها حساب ، وثواب أو عقاب ، إنما يعلمونه رغبات تتحقق ، وأهواء تثبت ، ومثلهم كمثل عوامّ المسلمين ، الذين يقولون أمة الإسلام على خير ، ولو لم يعملوا أي عمل ، بل لو لم يعملوا عملا صالحا قط ، ولو زنوا أو سرقوا ، وسكروا ، وعبثوا في كل معبث ، ولم يتركوا منكرا إلا ارتكبوه ، وسدوا باب الجهاد ، وكانوا كلا على أعدائهم يتصرفون في مصائرهم . وقوله تعالى :
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ
قالوا : إن الاستثناء منقطع ، فيكون المعنى لا يعلمون شيئا من الكتاب الذي يتلونه ولا يفهمونه ، ولكن