وثانيهما - أنهم يحسبون أن النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ما كانوا يعلمون ما عند اليهود إلا بإقرارهم أمام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمؤمنون يعرفون ما في كتبهم من بشارة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وهم أنفسهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به .
ولقد بين الله تعالى بطلان كلامهم وبعده عن المعقول فقال تعالى :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 76 ) الفاء مؤخرة عن تقديم لأن صيغة الاستفهام لها الصدارة ، والفاء للإفصاح ، والاستفهام داخل على نفى ، فهو من قبيل نفي النفي وهو في نتيجته يدعوهم سبحانه وتعالى إلى أن يعقلوا ، ويتفكروا ويتدبروا ، ويدركوا ما يؤدى إليه كلامهم ، وهو بعده عن كل معقول ، فهم يتصورون أن الله تعالى لا يعلم حالهم ، وما أخذ عليهم من مواثيق ، وما وضع من إشارات إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في كتبهم ، يتصورون ذلك ويحسبون أن المؤمنين يحاجونهم عند الله بهذا الاعتراف ، ولا يعرفون أن الله تعالى يعرف سرهم ونجواهم . وقد يفسر قوله تعالى :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 76 ) على أنه من كلام بعضهم ، ويكون معناه على أنه من لسانهم ،
أَ فَلا تَعْقِلُونَ 76
( 76 ) وتتدبرون نتيجة كلامكم من أنهم يحاجونكم به عند ربكم ، ويكون هذا إمعانا في الجهل بحالهم وعلم الله تعالى ، ونحن نميل إلى احتمال توجيهه من الله تعالت كلماته .
وإنهم ممعنون في الجهل بالله سبحانه وتعالى ، وظنهم أن الله تعالى لا يعلم ما يخفون وما يبدون ، وإنه لا فائدة في أن يحدثوا النبي والمؤمنين ، لأن الله تعالى بكل شئ عليم ، ولذلك قال تعالى :
أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
( 77 ) هذا استفهام إنكاري لجهلهم ، وتوبيخ لهم على عدم علمهم ، فالاستفهام داخل على فعل محذوف دل عليه عطف ما بعده والمعنى أيقولون ما يقولون من ذلك القول ، ولا يعلمون أن الله - جل جلاله - وقد أحاط بكل شئ علما ويعلم ما يسرونه وما يجهرون به ، وما يعلنونه للناس ، يعلم ما تخفى صدورهم ، ويعلم ما يجهرون ، وفي بيان ذلك العلم تهديد بالجزاء الذي ينتظرهم ، فهو سبحانه يعلم ما يفعلون ، وما يخالفون به مواثيقهم وعهودهم ، وما ينكثون به في أيمانهم ، ومؤاخذهم به .